el-Mev'izatü'l-hasene
إشارة إجمالية إلى أصول الدين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي فتح لأصفيائه باب الدعاء الى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، ومنح قلوب أوليائه التلقي بالقبول على مرور الأعوام والأزمنة، وجعلهما فرضين لازمين، وواجبين متساويين، وإن تباعدت الديار والأمكنة.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة مذعنة بأنه الواحد القهار، الأول الآخر، الباطن الظاهر، الخالق الفاطر، الذي لا تدركه النواظر، ولا تحجبه السواتر، ولا يشبهه شئ من المخلوقات ولا تضاهيه العناصر، بل هو الحي القيوم، السميع العليم، القادر البصير الحكيم، فأفعاله جارية على قانون الإحكام الباهر، الصادق في الأقوال، العادل في الأفعال، فلا يفعل القبيح ولا يرضاه، ولا يصدر عنه في النواهي والأوامر، كلف عباده اختيارا ولم يكلفهم اضطرارا، وهداهم النجدين، ومكنهم من الفعلين، ودعاهم إلى الخير الوافر،صادق الوعد والوعيد ? ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد?(ق:29)، لا يثيب أحدا إلا بعمله، ولا يعاقبه إلا بذنبه من كل بر وفاجر.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، المختار لتبليغ رسالته، واستيداء شكر نعمته، ختم به أبواب النبوات، وأيده بالآيات البينات، والمعجزات النيرات في حله ورحلته، بعثه على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، فنسخ بملته جميع الملل، وجاهد في الله بالقول والعمل، حتى استقام الحق واعتدل، وخاب الباطل وبطل، وحتى اختار له رفيع درجته بدار كرامته، صلى الله عليه وآله وسلم صلاة وسلاما يثبتان دواما، ويكونان لحقوقه قواما، وجزاه الله عنا أفضل ما جزا نبيا عن أمته.
وعلى أخيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أفضل الصديقين، المنزل منه بمنزلة هارون من موسى إلا نبوته، وعلى سيدة النساء، وخامسة أهل الكساء، سليلة الرسول وبضعته، وعلى ولديهما الإمامين قاما أو قعدا، سيدي شباب أهل الجنة الشهداء، ولدي المصطفى وعصبته، وعلى عترته الأطهار، المصطفين الأخيار، سفن النجاة، وقرناء الكتاب وتراجمته.
ورضي الله تعالى عن الصحابة الراشدين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، القائمين بما أوجب الله عليهم من حق طاعته.
سبب قيام الإمام بالدعوةوبعد فلما رأينا قواعد الدين الحنيف قد أشرفت على الإنهدام، ومعالم الشرع الشريف قد أشفت على الإندراس والانعدام، وتعطلت الشرائع والأحكام، واستحل الحرام، وظهرت البدع والمنكرات، وعمت المظالم والبليات، وبدت نواجم الكفر والضلالات من جميع الجهات، واعتورت الإسلام وأهله المصائب والنوائب والآفات، وصار حاله كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: (( بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء))، فعند ذلك عول علينا العلماء الأعلام، ومن يرجع إليهم الحل والإبرام، وألزمونا الحجة في القيام بأمر الإمامة العظمى، والتسنم لهذا المنصب الرفيع الأسمى، فلما لم نجد عما راموه منا معدلا، ولا ألفينا للإعتذار مدخلا، جردنا العزيمة غيرة لدين الله تبارك وتعالى، وقمنا بهذا الواجب العظيم تعظيما له وإجلالا، وكررنا الدعاء إلى كافة العباد، وبعثنا الكتب والرسائل إلى أقطار البلاد، وحرضنا على فريضة الجهاد، والسلوك إلى سبيل الرشاد، فأجابنا بحمد الله الجم الغفير، وأهرع إلى دعوتنا الصغير والكبير، ثم لا زلنا نبذل النفوس والنفيس طلبا لإعزاز الدين، والذب عن شريعة سيد المرسلين، وإحياء سنة الجهاد، التي هي طريقة الأنبياء والأئمة الراشدين صلوات الله تعالى عليهم، وننتقل لطلب النصرة من بلاد إلى بلاد، ونركب متون الأغوار والأنجاد، ونكرر الوقائع بأهل الزيغ والإلحاد، وأهل البغي والفساد، حتى نعش الله تعالى أمور الدين، وعلا نوره، وأشرقت في سماء المجد بدوره، وكشف عن وجه الإسلام ستوره، وانتظمت للمؤمنين الأحوال، وكفى الله تعالى بعض تلك الأهوال، ونحن إنشاء الله على ذلك المنوال، من غير كلال ولا ملال، بعون الله الكبير المتعال.
