el-Monadolociya ve'l-Mebadiu'l-Akliyye li't-Tabia ve'l-Fadlu'l-Ilahi
تأليف
ليبنتز
جمع وترجمة
عبد الغفار مكاوي
إهداءإلى أستاذي الدكتور عثمان أمين
الذي علمني كيف أحب نصوص الفلاسفة، وأتعاطف مع أفكارهم ونبضات قلوبهم.
عبد الغفار مكاوي
تقديمبقلم فؤاد زكريا
حين يمعن المرء النظر في فترات النهوض الفلسفي على مر العصور، يجد بينها جميعا سمة مشتركة تبرز أمامه بوضوح كامل، هي العناية بالنصوص الفلسفية؛ فالنهضة الفلسفية العربية التي أثرت الحضارة الإنسانية بفكر الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد، سبقتها وعاصرتها فترة نشطة من الترجمة، نقلت إلى اللسان العربي ذخائر الفكر اليوناني، فحدث ذلك الامتزاج بين طريقتين في التفكير وأسلوبين في النظر إلى العالم، كان أحدهما وثنيا عقليا منطقيا، وكان الآخر مستندا إلى إيمان ديني متفتح، وأثمر تزاوج هاتين الطريقتين في التفكير فلسفة لها طابعها المميز، وأسلوبا في البحث لا يزال، حتى اليوم، يحتل مكانة رفيعة في التراث العالمي.
كذلك كان عهد الحركة الفلسفية الخصبة التي شهدتها أوروبا في القرن السابع عشر، والتي كان أقطابها عمالقة للفكر من أمثال بيكن وديكارت وإسبينوزا، مسبوقا بجهد ضخم يهدف إلى نشر النصوص الفلسفية القديمة، من العصر اليوناني بوجه خاص، بين أكبر عدد ممكن من المثقفين. وبفضل هذا الجهد، الذي اضطلعت به مجموعة من الباحثين الممتازين فيما يعرف بحركة «النزعة الإنسانية» عرفت أوروبا في مطلع العصر الحديث نماذج حقيقية للفكر القديم، لم تشوهها تحريفات مفكري العصور الوسطى وتأويلاتهم، واكتسب العقل الأوروبي فائدة لا تقدر من الاطلاع على نمط فكري مخالف للنمط اللاهوتي الذي ظل مسيطرا على الأذهان طوال ما يقرب من ألف وخمسمائة عام، فكانت حصيلة ذلك كله تلك الانطلاقة الرائعة التي أثمرت، مجموعة متلاحقة من المذاهب الفلسفية العميقة، فاقت في تنوعها وخصبها ما أنتجته خمسة عشر قرنا سابقة، وهيأت الأساس العقلي لحضارة تلائم تطلعات الإنسان الحديث.
هذان إذن مثلان يقطعان بأن إحياء النصوص الفلسفية الأصلية، ونشرها على أوسع نطاق هو شرط ضروري يمهد لنهضة الفكر الفلسفي. وقد يبدو في هذا الفرق نوع من المفارقة، إذ يخيل إلى المرء للوهلة الأولى أن الرجوع إلى النص الأصلي يقيد من انطلاقة العمل الخلاق؛ إذ يضعه أمام نماذج فكرية رفيعة يشعر المرء إزاءها بالتضاؤل، وبأنه لا يملك أن يضيف المزيد إلى ما قاله العباقرة من أصحاب هذه النصوص، ولكن حقيقة الأمر أن الصحبة المباشرة للمفكرين الكبار - لا تلك الصحبة التي تتم بتوسط المفسرين والشراح - تعطي العقل الفلسفي دفعة هائلة إلى الأمام؛ إذ تطرح أمامه الأسئلة الأصيلة في الفلسفة، وتقدم إليه نماذج لإجابات عبقرية عنها، وتدعوه إلى أن يعيد طرحها من جديد، وتحفزه إلى أن يبحث بنفسه ولنفسه - كما بحث هؤلاء - عن إجابات تتمشى وطبيعة عصره ومجتمعه، وترضي نزوعه الشخصي إلى إضفاء صبغة معقولة على العالم.
