el-Mühezzebü'l-bâri'
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي صغرت في عظمته عبادة العابدين، وحصرت عن شكر نعمته ألسنة الحامدين، وقصرت عن وصف كماله أفكار العالمين، وحسرت عن إدراك جلاله أبصار العالمين، ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين.
وصلى الله على أكرم المرسلين، وسيد الأولين والآخرين محمد خاتم النبيين، وعلى عترته الطاهرين، وذريته الأكرمين، صلاة تقصم ظهور الملحدين، وترغم أنوف الجاحدين.
____________________
والكمال، وعلى آله المعصومين في الأقوال والأفعال، الممنوحين بوجوب التسئال (1) صلاة تتعاقب عليهم تعاقب الأيام والليال.
وبعد: فإن أحق ما أنفق فيه العمر وصرف فيه الدهر، تعلم المعالم الدينية، والإمعان في درك الأحكام الشرعية، والغوص في تيار بحارها، والكشف لأستار أسرارها، والاضطلاع بأعبائها بقدر الطاقة البشرية، فهي أقوى أسباب السعادة الأبدية، وهي أعلى مراتب العلماء. كيف لا؟ وهي صناعة الأنبياء، والمتكفلة بإرشاد الدهماء (2) وإصلاح الخصماء.
ولما اختصت بهذا السر المصون، حث عليها في الكتاب المكنون، فقال الله تعالى:
ليتنبه الغافلون ويهتم المهملون: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون). (3) وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (لكل شئ عماد وعماد هذا الدين الفقه) (4).
أما بعد: فإني مورد لك في هذا المختصر خلاصة المذهب المعتبر، بألفاظ محبرة، وعبارات محررة، تظفرك بنخبه، وتوصلك إلى شعبه، مقتصرا على ما بان لي سبيله، ووضح لي دليله.
____________________
وقال (عليه السلام): (الفقهاء أمناء الرسل) (1).
وقال (عليه السلام): (رحم الله خلفائي بعدي. قيل يا رسول الله: ومن خلفاؤك بعدك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنتي) (2).
وقال (عليه السلام): (من أكرم فقيها مسلما، لقي الله يوم القيامة وهو عنه راض.
ومن أهان فقيها مسلما لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان) (3).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لولده محمد: (تفقه في الدين، فإن الفقهاء ورثة الأنبياء) (4).
وقال (عليه السلام): (العلم مخزون عند أهله وقد أمرتم بطلبه منهم) (5).
وقال الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام): (لو علم الناس ما في العلم، لطلبوه ولو بسفك المهج) (6).
فإن أحللت فطنتك في مغانيه، وأجلت رويتك في معانيه، كنت حقيقا أن تفوز بالطلب، وتعد في حاملي المذهب.
____________________
وقال (عليه السلام): (إذا كان يوم القيامة جمع الله الناس في صعيد واحد، ووضعت الموازين، فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء) (1) فازدحم لذلك الطالبون، وشمر المجتهدون، فجمعوا، وألفوا، وأكثروا فيما صنفوا. وأعانهم على ذلك صفو زمانهم المريع، المخصوص بالنعت، كزمان الربيع، حتى قال بعض المهاجرين (2) في وقت الاغتراب لما آن له من الحلة دنو الاقتراب:
