el-Musika's-Sarkiyye: Madiha, Hadiruha, Numuvvuha fi'l-Mustakbel
تأليف
محمد كامل حجاج
مقدمةاتفق علماء النفس ومن إليهم على أن الموسيقى هي لغة الروح التي بها تتخاطب فتتجاذب، وأنها من أكبر الذرائع لتطهير النفوس، وتهذيب الأخلاق، وترقية المدارك والأذواق؛ ولهذا عمل العاملون في الغرب - وتبعهم المجتهدون في الشرق - على تعميم تعليمها، بيد أن الشرقيين ما زالوا متباطئين في سيرهم، وإن كان منهم أفذاذ أخذوا يدأبون بكل ما أوتوا من المواهب لإحياء فنونها، وإعلاء شئونها، وفي مقدمتهم ذلك الفنان العظيم منشئ مقالتنا هذه؛ فإنه أتى على تاريخ الموسيقى الشرقية وتدرجها وتطورها من لدن ظهورها إلى هذه الأيام بمادة غريزة، وفكر متوقد، وقلم سيال، مع أنه من غير المنتسبين إلى أربابها، ولا من المشتهرين بها، فحاز - بحق - قصب السبق في المسابقة التي أجراها جناب الخواجا نقولا سرسق، وجيه الإسكندرية وعميد الموسيقى بها، ونال جائزتها بإصابة الغرض، والوصول إلى الغاية. ولقد سابقه غيره في نيلها فلم يسبقه، وأراد اللحاق به سواه فلم يلحقه، وإن كانا استحثا في الميدان سوابق الجياد، وأسلسا القياد. وها هي مقالته نقدمها بكل فخر واغتباط إلى الناطقين بالضاد من محبي هذا الفن الجميل.
الموسيقىإن سألنا العلماء عن الموسيقى أجابونا بأنها فن تركيب الأصوات بطريقة تشنف الأسماع، أو قالوا لنا: إنها فن الأصوات وارتباطها باللحن والوزن والانسجام.
وإن سألنا الشعراء قالوا لنا: إن الموسيقي لينظم بالأصوات كما ينظم الشاعر بالحروف، وإن سألنا علماء النفس البسيكولوجيين أجابونا بأنها: قوة فتانة ساحرة، وفن يعبر به الإنسان عن وجدانه وشعوره بأنغام أفصح من النطق، وأبلغ من البيان، وأقرب منهما تناولا للأذهان.
وقد اتفق علماء النفس على أن الكلام غير كاف للتعبير عن الشعور تعبيرا تاما، وأن الموسيقى وحدها هي القادرة على سد هذا النقص.
وإني أورد مثالا سهلا يبين لنا كيف تعبر الموسيقى الإلقائية بلفظ واحد عن عدة عواطف.
يشنف المعنى أسماعنا فنريد أن نعبر له عن إعجابنا فنقول له: الله! ونلفظها بنغمة مخصوصة، ونطيل المد الواقع قبل الهاء. وإذا فاجأت طفلك وهو متربع فوق التراب بثوبه الجديد الذي اشتريته بدينارين؛ فإنك تستنكر فعلته وتقول له: الله الله! بنغمة أخرى، وفتح هاء الأولى لوصلها بالثانية مع مد متوسط، وإن فاجأك أحد بخبر مكدر قلت: الله! بنغمة مغايرة، ناطقا اللام المشددة بقوة عظيمة وحاذفا المد.
