el-Vesâyâ ve'l-mevârîs
الفصل الأول في الوصية
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
الوصايا: جمع وصية، وهي: اسم مصدر من أوصاه ووصاه توصية، أي: عهد إليه، كما في القاموس (1).
وهو أولى مما في جملة من كتب الفقه من أخذها من وصى يصي، بمعنى " وصل " لوصل الموصي تصرفه بعد الموت بتصرفه قبل الموت (2)، لأن الألفاظ المستعملة من هذه المادة في الكتاب (3) والسنة (4) وكتب الفقهاء كلها
من باب الأفعال والتفعيل، لا الثلاثي المجرد، اللهم إلا أن يريدوا أن أصل هذه اللفظة مأخوذة من وصى يصي، حتى أن الايصاء والتوصية بمعنى العهد مأخوذ من ذلك، لا أن (1) الوصية المذكورة في الاستعمالات مصدر وصى يصي، فلا خلاف في المعنى، ولعل هذا هو المتعين.
ونظيره: أنهم يفسرون الطهارة - في كتاب الطهارة - بفعل المكلف، أعني استعمال الطهور، أو نفس الوضوء والغسل والتيمم، ومع ذلك يذكرون:
أن الطهارة من " طهر "، وليس مرادهم أن الطهارة المفسرة بفعل المكلف مصدر ل " طهر "، لأن المصدر منه حدث قائم بالجسم الطاهر أو بالشخص المتطهر.
والغرض من ذلك كله: أن الوصية في الكتاب والسنة وألسنة الفقهاء بمعنى العهد إلى الغير، إلا أن هذا المعنى قد يتعلق بتمليك شخص شيئا من ماله، وقد يرجع إلى تسليط في التصرف، وقد يتعلق بفعل آخر: كفك ملك بتحرير أو وقف، وقد يرجع إلى أمر يتعلق بنفس الموصي كأمر تجهيزه ودفنه، وقد يتعلق بغير ذلك.
ففي رواية الجعفري (2)، عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من لم يحسن وصيته عند موته كان نقصا في مروته وعقله، قيل: يا رسول الله وكيف يوصي الميت؟ قال: إذا حضرته الوفاة واجتمع الناس إليه، قال: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب
والشهادة، الرحمن الرحيم، اللهم (1) إني أعهد إليك في دار الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك، وأن الجنة حق، والنار حق، والبعث حق، والحساب حق، والقبر (2) حق، والميزان حق، وأن الدين كما وصفت، وأن الاسلام كما شرعت، وأن القول كما حدثت، وأن القرآن كما أنزلت، وأنك أنت الله الحق المبين، جزى الله محمدا عنا خير الجزاء، وحيا الله محمدا وآل محمد عنا بالسلام.
اللهم يا عدتي عند كربتي، ويا صاحبي عند شدتي، ويا ولي نعمتي، إلهي وإله آبائي لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا، فإنك إن تكلني إلى نفسي طرفة عين كنت أقرب من الشر وأبعد من الخير. وآنس في القبر وحشتي، واجعل لي عهدا يوم ألقاك منشورا، ثم يوصي بحاجته.
