Ana içeriğe geç
İslam Arşivi الأرشيف الإسلامي İslam Arşivi

İslam Arşivi artık mobilde

Binlerce kaynağa her an, her yerden ulaşın.
Web sitemizde bulunmayan özellikleri uygulamada keşfedin.
iOS ve Android uygulamalarımız şimdi yayında!

Güvenli • Hızlı • Ücretsiz

el-Viâü'l-mermerî

الوعاء المرمري
Muhammed Ferid Ebu Hadid
۩
الوعاء المرمري
محمد فريد أبو حديد
Edebiyat & Roman
الوعاء المرمري

تأليف

محمد فريد أبو حديد

قصة جهاد بطل وأمه، من حياة سيف بن ذي يزن بطل اليمن.

تقديم

أكتب هذه القصة تذكارا لقطعة عزيزة من حياتي، وأهديها إلى هزة الشباب الكبرى في عام 1919.

كانت ليلة من ليالي فبراير سنة 1919 قبل أن تتفجر الثورة الكبرى، التي كانت كامنة في النفوس تنتظر الشرارة التي تشعل لهيبها، وكان القمر التام يغمر المنزه المنعزل الذي جلسنا فيه في حدائق القبة، وكانت إذ ذاك في عالمها الشعري الوديع قبل أن ينزل بها العمران إلى زحمة الحياة العابسة، وهبت النسمات الدفيئة علينا في ظلال الأشجار المبعثرة في المنزه كأنها تبشرنا بقرب مقدم ليالي الربيع. وكان الناس يجلسون حولنا أزواجا أزواجا يتلفتون في حذر من العيون الفاحصة، وهم يتناجون في همسات خافتة تحت أنوار مصابيح تتهامس كذلك بأشعتها الضئيلة. كان ذلك قبل أن يطلع على فتيان مصر وفتياتها برق المدنية الحديثة، وقبل أن تزول عنهم الغلالة الرقيقة التي كانوا يتسترون بها إذا أرادوا أن يختلسوا ساعة لقاء.

ومرت بنا الساعات سريعة ونحن في حديثنا لا نلتفت إلى شيء مما حولنا، وكان صوتنا يعلو أحيانا في حماستنا، فنتلفت خشية أن نعكر الصفاء على الأزواج القريبة من مجلسنا، فما لهؤلاء السعداء الذين كانوا يتبادلون أماني الحياة المزدهرة، ويتعاطون خفقات القلوب الخالية التي هزها الربيع المقبل ، ما لهؤلاء وما نحن فيه من أحاديث ملتهبة حانقة تنبعث من الثورة الثائرة في أعماق قلوبنا. كنا جمعا من الشباب لا يعدو أكبرنا سن الخامسة والعشرين، ولكنا كنا قد قفزنا عبر الشباب، فلم نكد نلم بشيء من عبثاته السعيدة، ولم ندرك عند ذلك مبلغ إسرافنا في ساعاته، وما أسرع طيرانها! كنا لا نحسن من شبابنا إلا تلك الدفعات العنيفة التي لا تحمل شيئا من روائح الشباب العطرة. وكانت الحرب العالمية الأولى قد هدأت في ميادينها فجأة كما تهدأ العاصفة العاتية فجأة، ولكن الحطام الذي تخلف عنها كان ما يزال ماثلا في كل الأركان، يثير رعبها ومخاوفها وقلقها، كأنها ما تزال تتوثب لغضبة أخرى؛ فلم يكن في نفوسنا شيء غير سؤال واحد نردده في أحاديثنا: «ماذا يكون من أمرنا في مصر بعد أن هدأت العاصفة؟» كنا لا ندري ما يكون حالنا غدا وهذه الركام المخيفة تغطي وجه الأرض من حطام الحرب، أقد انتهت الحرب الكبرى التي ثارت من أجل الحرية كما قيل، كي نصبح نحن فنجد أنه قد حيل بيننا وبين الحرية التي ما زلنا ننشدها؟ كانت الأحداث والأحوال كلها تنم عن نية مستورة في شد القيود والأغلال في أيدينا وأعناقنا، فهل كانت الحياة تستحق أن نحياها إذا كان المقدور لنا أن نصبح للأجنبي عبيدا؟ وبدت لنا الحياة المقبلة طويلة هزيلة شاحبة شوهاء، حتى إن الموت نفسه كان في أعيننا أهون من تأملها. وكان ولسن رئيس الولايات المتحدة قد أعلن شروطه الأربعة عشر؛ فتنفسنا ارتياحا وحسبناه نبيا، وحسبنا أن تلك الشروط تصبح الأساس المتين لعالم جديد نستطيع أن نحيا فيه مع أمانينا، وكنا نحفظ ألفاظها حرفا حرفا، ونردد عباراتها بقلوب واجفة مترددة بين الأمل والخوف. وسألنا أنفسنا مرة بعد مرة: أحقا يقوم عالم جديد على مثل هذه المعاني العليا؟ كان كل حرف منها يفتح أمامنا بابا من الأمل، كأنه قد أنزل على الرئيس وحيا من السماء يقصدنا. ولكن الواقع الذي شهدناه بعد ذلك ولمحنا اتجاهه كان في كل يوم يكذب آمالنا ويزيد مخاوفنا وضوحا، فما السبيل إلى الخلاص من المخاطر البشعة التي تهدد حياتنا ونحن من أمة تحس وجودها؟ كنا نحس وجودنا في الحاضر كما نحس وجودنا القديم، ولكنا كنا لا نرى المخاوف تزداد في كل يوم إلا تجسما.