Elvân mine'l-hubb
تأليف
عباس حافظ
مقدمةبقلم عباس حافظ
في هذه القطع العشر، ألوان نضر، وظلال سود وخضر من أرفع العواطف وأسماها، وأشرف الدوافع وأقواها، وهو الحب، خليقة المصور البديع الباري، ويد اللطيف الخبير، الذي سوى الإنسان و عدله، في أي صورة ما شاء ركبه، وجعل الحب في الحيوان أشد غرائزه، وأحاله في الإنسان أكبر تمييزه، لأنه الغريزة مع لطف الحس، وتهذيب الحضارة وجمال اللون والشارة، ووحي الفكر، وإلهام الضمير.
الحب هو غذاء القلب، ومادة الروح، وجوهر الكون، ومحرك الدنيا والرابط بينها وبين الآخرة.
الله فيه يتجلى، والإنسان به يسمو، والعالم على هداه يسير.
وهذه ألوان مختلفة منه، كل منها طبيعي لأنه في الفطرة، وكل ظل من ظلاله جميل لأنه فيء الدوحة البشرية التي منها نبتنا وعلى أفنانها تنقلنا، ومنها ثمراتنا على الدهر وأزهارنا في مواسم الحياة وحقول الزمان ومسيرة السنين.
ومن يؤمن بالحب فهو بالله مؤمن، ومن يكفر به فقد كفر بنعمة الحياة التي جعلته شركة سواء بين الحيوان والإنسان.
أوان الحبالحب ...!
لقد قضيت الحياة كلها أحلم به وأتلهف عليه وأتوق إلى مطالعه، ولو أنه جاءني بادرا لما وجدني خافة للقائه، ولقد كنت على طول الحنين إليه لا أرى من زماني فسحة للبحث عنه، ولكنه لم يجئ باكرا، وإنما طال عليه الغياب، ثم أقبل يدلف ويمشي وئيدا على أدبار الشباب ...
ولكنك لن تجد في قصة هذا الحب شيئا يروقك أو يوقد بعض ناره في جوانحك؛ لأنه حب بدأ على ثنية الكهولة، ولم يبد على بواكر الشباب وسطع الحداثة، إذ تروح النفس مترعة بأحلامه، ولا يزال الخاطر مصقول الأديم متهيئا لاستقباله .
إي والله لم أجد من زماني فسحة للحب، ولكن الذي صرفني عنه وعدل بي عن واديه، لم يكن غير واجب الرعاية لأختي الصغيرة «ج ...»، فقد قضت أمنا يوم كانت أختي في العاشرة وأنا في السادسة عشرة، فكانت رعايتي لتلك الصغيرة ومساعدتي لأمي المسكينة، التي لم تستطع نهوضا من الصدمة التي عاجلتها بوفاة أبي، قد تركتاني أكبر قبل الأوان.
وكان أبي أبدا يناديني: «يا عوني الصغير»، فكنت أزهى بهذه الكنية، وآتيه فخارا بهذا الاسم، وأجد فيه الفرح والخيلاء.
وكنت أقرب شبها بأبي مني بأمي، فقد ورثت عنه عينيه السوداوتين الهادئتين، اللتين توحيان من الأعماق قوة الإرادة وحب الريف والميل إلى القرية.
وكان أبي رئيسا للحطابين الذين يعملون في أرباض قريتنا، وكانت أمي مخلوقة ناعمة ... صنع الله لها، تلك الأم الغريرة الضعيفة الحول، الواهية الإرادة، لا تسأل شيئا ولا تسأل عن شيء، وكانت الصغيرة «ج ...» أقرب شبها بها. وكانت أمي من أهل الحضر، ولدت ودرجت وقضت مطالع شبابها في المدينة، فلم تكن تروقها عيشة القرى، ولم يفتنها مشهد الحقول، ولم تستروح نفسها لأفق الريف.
