Emiru Lubnan
تأليف
يعقوب صروف
الفصل الأول
النصح بالإخلاصهضاب لبنان آكام يعلو بعضها بعضا من ساحل بحر الروم إلى قنن صنين، مرتصفة على طول البلاد من طرابلس الشام إلى ساحل صيداء، رصعتها القرى والدساكر، ووشحتها حراج الصنوبر والبلوط، وتخللتها أودية وفجوات تنساب فيها الجداول والغدران، وقد قامت على جوانبها الحدائق والبساتين من التوت والزيتون والتين والرمان، ودبجت أرضها بطرائق الديباج من النرجس والخزام والأقحوان. بلاد المروءة والضيافة والشهامة والعفاف، مضى على سكانها دهور طوال، وهم يغرسون كرومهم ويجنون ثمارهم، ويذودون عن ذمارهم بالبيض الصفاح، جانبهم عزيز وحرزهم حريز، يمر بهم الغزاة من مصر، وبابل، واليونان، والرومان كالطيور القواطع تلتهم ما تراه وتغادر البلاد وأهلها، فيعودون إلى زرعهم وضرعهم يغرسون البساتين، ويزرعون الحقول ويسومون القطعان، ويبنون البيوت، ويشيدون القصور آمنين ناعمي البال إلى أن ينتابهم غاز آخر كما تنتاب الأوبئة البلدان، فيظاهرونه أو يشاغبونه حسب مقتضى الحال.
لما كثر مرور الغزاة في بلاد الساحل بين بيروت ولبنان، انحدر الأمراء آل أرسلان من الشرق إلى الغرب، ونزلوا قرى تطل على طريقهم لاستكشافها فسميت الشويفات، وبنوا فيها دورهم حيث ضافهم سلطان دمشق الملك المؤيد المحمودي الخاصكي منذ خمسمائة عام، ونزل على الأمير سيف الدين ثلاثة أيام.
في دار من هذه الدور وقف الأمير أحمد صباح يوم من أواخر عام 1859، وقف في رواق يطل على بحر الروم وغابة الزيتون المعروفة بصحراء الشويفات، وكانت سفن الصيادين قد خرجت من بيروت للصيد، ونشرت شراعها لنسيم الصبا، وقد هب صباحا من البر إلى البحر قبل اشتداد الهجير، فجازت خلدة وشقت صدر الماء فأرغى وأزبد، ونشرت الغزالة أشعتها على الرمال بين الصحراء والبحر، فعصفرتها وعبثت بما تجمع على أوراق الزيتون من ندى الليل، فطار ضبابا لطيفا كأنفاس المحبين.
وقف الأمير هنيهة يقلب طرفه فيما يراه من جمال الطبيعة، ويستنشق نسيم الصباح، ويصغي إلى تغريد الطيور، وهم بالخروج للصيد، ثم عاد إلى التفكير في كتاب ورد عليه في الليل الفائت من الكولونل روز قنصل إنكلترا في بيروت، وقال في نفسه: لأمر دعاني القنصل إليه، ولا بد من تلبية دعوته. ولم يستغرب دعوة القنصل له وتخصيصه إياه دون أبناء عمه؛ لأنه كان يعتمد عليه بعد أبيه، والكتاب ليس من القنصل نفسه بل من ترجمانه، ثم دخل غرفته وافتقد الكتاب وقرأه ثانية فإذا هو يقول فيه:
الجناب الأكرم والملاذ الأفخم الأمير أحمد أرسلان المحترم دام بقاه
