Ana içeriğe geç
İslam Arşivi الأرشيف الإسلامي İslam Arşivi

İslam Arşivi artık mobilde

Binlerce kaynağa her an, her yerden ulaşın.
Web sitemizde bulunmayan özellikleri uygulamada keşfedin.
iOS ve Android uygulamalarımız şimdi yayında!

Güvenli • Hızlı • Ücretsiz

Ene'ş-Şa'b

أنا الشعب
Muhammed Ferid Ebu Hadid
۩
أنا الشعب
محمد فريد أبو حديد
Edebiyat & Roman
أنا الشعب

تأليف

محمد فريد أبو حديد

الفصل الأول

حياتنا سلسلة من حوادث صغيرة ليس لواحدة منها في ذاتها ما يسترعي انتباهنا في اللحظة التي تمر بها، ولكنا إذا بعدنا في الطريق، وأصبح من المحال أن نعود أدراجنا تبين لنا أن بعضها هو الذي يقرر مصائرنا، ولو كنا نفطن إلى هذه الحوادث الصغيرة الخطيرة في اللحظة الحاسمة لحرصنا على توخي الحكمة وتجنب الأخطاء، ولكنا بشر نكتب بأخطائنا سلسلة القصة البشرية، والحوادث التي تمر بنا تخلف فينا آثارا لا تمحى، بعضها حائل يسنح لنا في ذكريات عابرة، وبعضها عميق يشبه ندوب الجراح بعد التئامها، وهذه الخطوط العميقة هي التي توجه تفكيرنا وتقود مشاعرنا وتحرك إرادتنا. هذا ما بدا لي على الأقل وأنا في غرفتي الصغيرة من سجن الاستئناف أجول بخيالي في عالم الذكرى لأسجل ما أظنه جديرا بالذكر من حوادث حياتي.

لم تكن طفولتي متميزة بشيء يستحق أن أقف عنده طويلا حتى وقع الحادث الأول الذي زلزل وجودي وغير اتجاه حياتي وهو وفاة والدي.

كنت عند ذلك في نحو السابعة عشرة من عمري، وكنت أستعد لامتحان شهادة الثقافة العامة، ووقعت الصدمة علي فجأة، فشعرت كأني أهوي في فراغ لا قرار له. كان أبي والدا وصديقا يملأ كل حياتي، وما كان يخطر لي أنه إنسان زائل قد ينتزع من الوجود في لحظة، فلما عدت من المدرسة ذات يوم ووجدته مسجى في سريره والجميع يبكون من حوله، وقفت أنظر إليه بغير أن أرى وجهه المغطى، وأخذت أتأمل الوجوه الحزينة التي حوله وأنا ذاهل، فما راعني إلا أن الجميع ازدادوا صراخا وعويلا عندما رأوني، فاندفعت نحوه لأرفع عنه الغطاء وأناديه لأوقظه، فبادر من هناك إلي ودفعوني وأخرجوني من الغرفة قسرا. لم تكن في عيني دموع، بل كان قلبي يفيض غيظا؛ لأنهم حالوا بيني وبين أبي، ولم يحاول أحد منهم أن يتمسك به، بل سلموا بأنه قد مات وانتهى بغير مجادلة. ثم رأيته بعد حين يحمل في نعشه ويتجهون به إلى المقبرة كالأموات جميعا، وسرت مع السائرين حتى وقفنا إلى جانب حفرة، ورأيت جثمانه يدلى فيها وكل من هناك جامد في مكانه يبكي بغير أن يحاول أن يتمسك به، فاندفعت كالمجنون وأردت أن أتعلق به، ولكن الناس اجتمعوا حولي وأمسكوا بي قسرا، وجعلوا يواسونني بكلام لم أفهم معناه، فانفجرت باكيا كما لم أبك يوما في حياتي، ولما عدنا آخر الأمر إلى البيت وحدنا شعرت بحزن لا يشبه الحزن، وبلوعة لا تشبه لوعة الصبي في فقد أبيه، بل هي أقرب إلى حسرة المقهور العاجز أمام قوة جبارة تتقاذف به في قسوة، وكانت صورة أبي تتمثل لي لا تفارقني في ساعات اليقظة ولا في مناظر الأحلام، واعتراني شعور يشبه الحقد والعداوة لكل ما يذكرني بفقده؛ ولهذا لم أذهب مرة لزيارة قبره، بل لقد كنت أتحاشى الاقتراب منه أو السير في الطريق المؤدية إليه.