er-Ravâşihu's-semâviyye
بسم الله الرحمن الرحيم والاعتصام بالعزيز العليم الحمد لله رب العالمين حمدا ينبغي لكرم وجهه، ويليق بعز جلاله زنة عرشه، وعدد علمه، ومداد (1) كلماته، وملء (2) أطباق ملكوته.
والصلاة السامة التامة على خيرته من خليقته محمد أكرم المصطفين من بريته، وأوصيائه الطاهرين حملة العلم، وخزنة الوحي من الأصفين، من خاصته الأزكين من عترته.
وبعد: فإن أحوج المربوبين وأفقر المفتاقين إلى رحمة ربه الحميد الغني محمد بن محمد يدعى " باقر الداماد الحسيني " - ختم الله له في نشأتيه بالحسنى، وسقاه في المصير إليه من كأس المقربين ممن له لديه لزلفى، وجعل خير يوميه غده، ولا أوهن من الاعتصام بحبل فضله العظيم يده - يملي على قلوب العقول، ويتلو على أسماع الألباب أن من المنصرح في مصاره، (1) المقتر في مقاره أن المعجزة القولية في العقول الصريحة أوقع، والخواص من العقلاء المراجيح (2) لها أطوع.
والقرآن الحكيم من التنزيل الكريم - مع كونه أفضل المعجزات وأجملها، وأعظم الآيات وأجزلها - لبقائه من دونها أدوم البقاء مدى الأبد، وثباته أقصى الثبات بلا أمد، فهو بما أنه من حقائق الحكم، ودقائق البلاغة، وراء ما يتناهى، بل ما لا يتناهى بما لا يتناهى أبلغ ناطق وأصدق شاهد لنفسه بنبالة الأمر، وجلالة القدر؛ إذ ما من معجزة فعلية أتى بها الأقدمون من الأنبياء، والأولون من المرسلين إلا وإذا دقق المتبصر (3) التأمل، ولطف التدبر، صادف بعقله فيما قبلنا من جنسها في أفاعيل الله تعالى وصنائعه ما هو آنق (4) وأعجب وأحكم وأتقن.
وأما هو (5) فلا صودف ولن يصادف - فيما تناله عقولنا، وتبلغه أوهامنا - من
جنسه ما يضاهيه أو يدانيه، وكلما ازدادت أرواع أولي الأحلام في أفانين مدارجه بصيرة، ازداد ما عداه - مما يشاركه في جنسه - عنه بعدا وسقوطا ونأيا وهبوطا.
وكذلك فيما ورد عن سادتنا الطاهرين أمناء سر الله، وتراجمة وحيه، وسفراء (1) غيبه، وألسنة أمره ونهيه - صلوات الله وتسليماته على أرواحهم القادسة، وأجسادهم الطاهرة - في دقائق الحكمة، وحقائق التوحيد، ولا سيما ما سبيله ذلك عن باب الله الصافق، وكتابه الناطق، أمين الرحمن، وشريك القرآن، الذي مثابته من العقلاء والأصفياء مثابة الأحداق من الرؤوس، ونسبته إلى العلماء والحكماء نسبة المعقول إلى المحسوس، أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، باب أبواب المقاصد والمطالب، أبي السبطين علي بن أبي طالب - عليه من الصلوات نواميها، ومن التسليمات أناميها - في خطبه وأثنيته وأحاديثه وأدعيته على أساليب وحيانية، وموازين فرقانية، في بلاغة تحار فيها الأفهام، وبراعة تدهش منها الأحلام، ألمع المعجزات وأبهر الدلائل على الرسالة والسفارة، وأسطع الحجج وأنور البراهين على الوصاية والوراثة؛ لما فيها من غامضات العلوم، ومحارات (2) العلماء، وأمهات الحكمة، واصطلاحات الحكماء، مع أنهم (عليهم السلام) لم يختلفوا إلى محتشد أريب، ولا احتشدوا في محتفل الأخذ عن أديب، ولا كانت العلوم في عصرهم مدونة، ولا كتب الحكمة في زمنهم مترجمة. (3)
