Ana içeriğe geç
İslam Arşivi الأرشيف الإسلامي İslam Arşivi

İslam Arşivi artık mobilde

Binlerce kaynağa her an, her yerden ulaşın.
Web sitemizde bulunmayan özellikleri uygulamada keşfedin.
iOS ve Android uygulamalarımız şimdi yayında!

Güvenli • Hızlı • Ücretsiz

Erhasu Leyali

أرخص ليالي
Yusuf İdris
۩
أرخص ليالي
يوسف إدريس
Edebiyat & Roman
أرخص ليالي

تأليف

يوسف إدريس

أرخص ليالي

بعد صلاة العشاء كانت خراطيم من الشتائم تتدفق بغزارة من فم عبد الكريم، فتصيب آباء القرية وأمهاتها، وتأخذ في طريقها الطنطاوي وأجداده.

والحكاية أن عبد الكريم ما كان يخطف الأربع ركعات حتى تسلل من الجامع، ومضى في الزقاق الضيق، وقد لف يده وراء ظهره، وجعلها تطبق على شقيقتها في ضيق وتبرم، وأحنى صدره في تزمت شديد، وكأن أكتافه تنوء بحمل «البشت» الثقيل الذي غزله بيده من صوف النعجة.

ولم يكتف بهذا، بل طوى رقبته في عناد وراح يشمشم بأنفه المقوس الطويل الذي كله حفر سوداء صغيرة، ويزوم، وقد أطبق فمه، فانكمش جلد وجهه النحاسي الأصفر، ووازت أطراف شاربه قمم حواجبه التي كانت ما تزال مبللة بماء الوضوء.

والذي بلبل كيانه، أنه ما إن دخل إلى الزقاق، حتى ضاعت منه ساقاه الغليظتان المنفوختان، ولم يعد يعرف موضع قدميه الكبيرتين المفلطحتين اللتين تشقق أسفلهما، حتى يكاد الشق يبلع المسمار، فلا يبين له رأس.

ارتبك الرجل رغم القسوة التي ضم بها نفسه؛ لأن الزقاق كان يمتلئ بصغار كالفتافيت يلعبون ويصرخون، ويتسربون بين رجليه، ويسرح واحد من بعيد وينطحه، ويشد آخر «البشت» من ورائه، ويصيبه شقي بصفيحة في أصبع قدمه الكبير النافرة عن بقية أصابعه.

ولم يستطع إزاء هذا كله إلا أن يسلط عليهم لسانه، فيخرب البيوت فوق رءوس آبائهم وأجدادهم، ويلعن الداية التي شدت رجل الواحد منهم، والبذرة الحرام التي أنبتته.

ويرتعش عبد الكريم بالحنق، وهو يسب ويمخض ويبصق على البلد الخائب الذي أصبح كله صغار في صغار، ويتساءل، و«بشته» يهتز، عن معمل التفريخ الذي يأتي منه من هم أكثر من شعر رأسه، ويزدرد غيظه وهو يطمئن نفسه أن الغد كفيل بهم، وأن الجوع لا محالة قاتلهم، و«الكوريرة» سرعان ما تجيء فتطيح بنصفهم.

وتشهد عبد الكريم وهو يشعر براحة حقيقية حين خلف النحل وراءه في الزقاق، وأصبح يشرف على الواسعة التي تحيط بالبركة في وسط البلد.

وانبسط الظلام الكثير أمامه؛ حيث تعشش البيوت المنخفضة الداكنة، وترقد أمامها أكوام السباخ كالقبور التي طال عليها الإهمال، ولا شيء بقي يدل على الأحياء المكدسين تحت السقوف إلا مصابيح متناثرة في الدائرة المظلمة الواسعة، وكأنها عيون جنيات رابضات يقدح منها الشرر، ويأتي نورها الأحمر الداكن متبخترا من بعيد؛ ليغرق في سواد البركة.

وتشتت بصر عبد الكريم في الظلام الفاضي، ودار برأسه هنا وهناك، ورائحة الماء الصدئ في المستنقع تتلوى مع تقوس خياشيمه. وفي الحال شعر بالضيق يكتم فتحات أنفه، فشدد من قبضة يده، وزاد انحناؤه، وكاد يرمي «بالبشت» على حافة البركة.