Ervâh Şâride
تأليف
علي محمود طه
إهداءإلى تلك الزهرة الأفريقية النادية تحت ثلوج الغرب
هذه الأرواح الشاردة في تيه المرح والعذاب والحب
علي محمود طه
الجزء
دراسات أدبيةالفصل الأول
پول ڤيرلينكان فتى حالما، رقيق البدن، بارز الجبهة، عميق النظرة، مرح النفس، قذفت به الحياة إلى معتركها غمرا، لم تكشف له تجاربه المحدودة عن طبائع الناس، ولم يهيئه طبعه الرقيق ومزاجه الحاد لمكابدة شظف العيش وضنك الحال؛ وإن هيأته روحه ليكون حيث هو الآن من نباهة الذكر وسمو المنزلة وخلود الأثر.
ولو قد عرف «البارناسيون»
ما ناطته السماء بمستقبل هذا الصبي الشاعر، وهو يختلف إليهم من حين إلى حين، ولو قد تبين جماعة «مالارمي» ما تنطق به مخايل هذا الشاب العابث في أبهاء الحي اللاتيني؛ لحموه أحداث الزمن، ولما تركوه غرضا للفاقة والتشريد والعذاب، ولضنوا بصاحب هذه النفس الشاعرة الموهوبة والعبقرية المبدعة الفذة، ألا يجد وهو في مستهل حياته قوت يومه، ثم لفزعوا إلى القدر فما صرف أمه عن العناية به صغيرا، فشب مطلق العنان يرتاد المواخير ويدمن الخمر، ثم لما غادر زوجه وأمه وولده هائما بين باريس ولندن وبروكسل، ليعود إلى وطنه ضحية اتهام قاس ينال من رجولته، ويلقي على نجمه المتوقد سحابة من الزراية والامتهان، ثم لما ارتفعت من حوله صيحات العار تلاحقه من مكان إلى مكان فغلقت في وجهه أبواب الرزق، وسدت على ذلك الهارب المسكين منافذ الرجاء والطمأنينة ، فمضى يستنبت الأرض في الريف البعيد في كثير من اليأس والعناء، وهو ذلك الروح المرح الذي لم يخلق لغير الشعر والغناء، ثم لما تحالف هذا الشر كله على ذلك الضعيف المكدود، فاستبد به المرض، فقضى غريبا وحيدا، منبوذا إلا من امرأة بائسة مثله، ساهمته حبه الأخير وشقاءه الأخير، فلفظ في ظل قربها وعطفها نفسه الأخير.
حقا!! لقد كانت حياة ڤيرلين فاجعة محزنة؛ فمن الحان إلى السجن إلى الماخور إلى الهيام في الطرقات إلى ملاجئ البر.
هذا هو الشاعر الخالد الذي كان أرخم صوت غنائي صدح به الشعر الفرنسي في القرن الذي أنجب هيجو، لامارتين، جوتيه، موسيه، بودلير، رامبو، جول لافورج، مالارمي وغيرهم.
ستيفان مالارمي
إن في حياة هذا المتشرد الكبير ضروبا من العبث وألوانا من الألم، ولكنه العبث الذي تستقيم به حياة الفنان البوهيمي، والذي يتيح للأدب في كل جيل فنونا شتى من الإجادة والإبداع، ولكنه الألم الذي يفرض العذاب على القلوب الشاعرة فينطقها بالنغمات الفريدة الساحرة، ويصل ما بينها وبين السماء، فتشرب من روعة اللانهاية وصفائها، وتمنح البشرية الوضيعة المعذبة لحظات من السعادة والسمو.
