es-Sahâbe inde'z-Zeydiyye
الصحابة عند الزيدية
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة
الطبعة الأولى
1424ه/2004م
المقدمةالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الطاهر الأمين وعلى آله الطاهرين. وبعد..
اتفقت الدراسات التاريخية، على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهب حياته لإسعاد البشرية، وإخراجها من الظلمات إلى النور، وبذل ما بوسعه لصنع مجتمع مثالي تسوده الأخلاق النبيلة والقيم الرفيعة؛ ليكون قدوة للأجيال ومثالا يحتذى، واستطاع - رغم الصعوبات - أن يصنع من أعراب البوادي الممزقة أمة واحدة، ويؤسس فيهم حضارة ذات أسس فكرية وأخلاقية مميزة.
وكان من أولوياته أن ربى أصحابه على مكارم الأخلاق، وغرس فيهم العقيدة الراسخة، والإيمان الصادق، وعودهم فعل الخيرات، حتى أصبحوا مثال الصدق والأمانة، والتعاون والبذل، فأثنى الله عليهم بقوله: ?محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود..? (الفتح/29). وقال تعالى: ?والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون? (الحشر/9). فكان صلى الله عليه وآله وسلم مربيا ناجحا، ومعلما ماهرا، وحقق في حياة البشرية مالم يحققه سواه.
وبعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، بذل صحابته - رضي الله عنهم - ما بوسعهم للحفاظ على كيان المجتمع المسلم، ومواصلة السير في الخط الذي رسمه لهم؛ لهذا اتفق المسلون قاطبة على احترامهم، وتقدير دورهم، لكن ما وقع بينهم عقب وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من اختلاف في تحديد الأولى بخلافته، حيث أيد بعضهم بيعة أبي بكر، ورأى البعض الآخر أن علي بن أبي طالب أولى وأحق، وما تبع ذلك من تداعيات، ألقت بظلالها على تلك الصورة، وترك مجالا لتحليل المواقف، وتقديمها في صور مختلفة، رغم نجاح الصحابة في احتواء ذلك الخلاف بفضل التربية الروحية التي تلقوها على يد أعظم معلم وأنجح مرب، فلم يبلغ بهم الحال حد العداوة والمواجهة.
ومع مرور الأيام وتعدد الأهواء توسعت الشقة أكثر فأكثر، وحشر في المسألة ما ليس منها، واستغلت في الصراع الطائفي أسوأ استغلال، حتى صارت عاملا من عوامل التفرق والخصومة بين المسلمين.
وزاد الوضع سوءا إفراط المتمذهبين - من سائر الأطراف - في التعصب والمبالغة، حيث اعتبروا الموافقة في تقييم تلك الأحداث والحكم عليها مقياسا للهداية والضلال، ومرجعية للولاء والبراء، وصارت هذه المسألة من أكثر المسائل سخونة وحساسية، وبلغت ردود الأفعال السلبية فيها مداها.
