es-Semman ve'l-Harif
السمان والخريف
السمان والخريف
السمان والخريفتأليف
نجيب محفوظ
السمان والخريفوقف القطار ولكنه لم يجد أحدا في انتظاره. أين السكرتير؟ أين موظفو المكتب؟ أين السعاة؟ وأجال بصره في المكان والناس بلا جدوى، ماذا جرى؟! هل دار رأس القاهرة تحت ضربة القنال الآثمة؟! وغادر موقفه عند مقدمة العربة، فسار حاملا حقيبته الصغيرة نحو الخارج وهو يقطب استياء، ثم ساوره قلق. وتفحص الوجوه بدافع غريزي فوجدها تعكس انقباضا مخيفا، وتحركت في أعماقه غريزة تتنبأ بالمخاوف. أهي مذبحة الأمس بالقنال أم أحزان جديدة تزحف؟ هل يسأل الناس عما وراءهم؟! ولم ينتظره أحد، ولا واحد من مكتبه شذ عن هذا السلوك العجيب! يا لها من أيام غريبة حقا، ولم تزل ذكريات القنال ناشبة في رأسه بكل حدة، المشاهد الدامية، مذبحة رجال البوليس، البطولة العزلاء. ولم يزل صوت الشاب الفدائي يخرق أذنه وهو يصيح غاضبا: أين أنتم .. أين الحكومة .. ألستم أنتم الذين أعلنتم الجهاد؟!
فقال في حرج شديد: بلى، ولهذا تجدني أمامك في هذا الخلاء.
فصرخ في غضب أشد: نريد سلاحا، لم تقترون علينا؟! - اليد قصيرة، وموقف الحكومة دقيق. - وموقفنا نحن! .. وموقف الأهالي الذين خربت بيوتهم؟! - أعلم ذلك، كلنا نعلم ذلك، صبرا، وسنبذل أقصى ما نستطيع. - أم تقنعون بالفرجة؟!
يا لها من غضبة كالنار، ولكن ماذا في القاهرة؟
لا عربة واحدة لتنقله، وفي ميدان المحطة جماهير تجري في كل اتجاه. الغضب يشتعل في الوجوه واللعنات تنصب على الإنجليز. الجو بارد والسماء متوارية خلف سحاب متجهم والهواء ساكن لا حياة فيه، الدكاكين مغلقة كالحداد، وعند الآفاق تصاعد دخان كثيف.
ماذا في القاهرة؟!
وتقدم في حذر، وأشار إلى رجل يقترب ثم سأله: ماذا في البلد؟
فأجابه في ذهول: القيامة قامت!
فسأله في إلحاح: تعني مظاهرات احتجاج؟!
فهتف وهو يأخذ في الجري: أعني النار والخراب.
وواصل تقدمه الحذر البطيء وهو يتفحص ما حوله، وتساءل في دهش: «أين البوليس؟ أين الجيش؟» وفي شارع إبراهيم تجلت حقيقة اليوم بصورة أبشع، خلا الميدان للغاضبين، انفجر مكنون اللاوعي كالبركان ، صراخ جنوني كالعواء، انقضاض على أي قائم على الجانبين، بترول يراق، حرائق تشتعل، أبواب تحطم، بضائع تنتثر، تيارات تندفع كالأمواج المتلاطمة، الجنون نفسه بلا رقيب. ها هي القاهرة تثور ولكنها تثور على نفسها. إنها تصب على ذاتها ما تود أن تصبه على عدوها، إنها تنتحر، وتساءل في فزع ماذا وراء ذلك كله؟! واستفحل نشاط غريزته التي تتنبأ بالمخاوف، وأيقن أن مأساة حقيقية سيرفع عنها ستار الغد، ثمة خطر يتهدد صميم حياتنا، يتهددنا نحن لا الإنجليز، يتهدد القاهرة والمعركة القائمة في القنال والحكومة، ويتهدده هو باعتباره جزءا من هذه الحكومة. هذا الطوفان سيقتلع الحكومة والحزب وشخصه في النهاية. هيهات أن يعتصر هذا الخوف من قلبه، هيهات أن يتناساه رغم دوامة الجنون المحدقة به، كأنها أقوى من الجنون والخراب والنار. وإنه ليؤمن بغريزته بهذا إيمانا قاتلا. هي نذيره في أوقات الأزمات السياسية وقبيل الإقالات المتعددة التي أطاحت بحزبه عن كراسي الحكم المرة تلو المرة، لعلها النهاية. وستكون نهاية مميتة لم تسبق بمثيل لها من قبل.
