eş-Şi'ru'l-Ammi
تأليف
مارون عبود
1886-1962
القرية في أمثالهاالقرى أهراء المدن، فمنها تستمد القوت، من حنطة، وخضار، وفواكه وألبان، ولحوم وخمور، فكأنها معمل، دواليبه الرجال. وكما لا تقف المعامل إلا هنيهات، كذلك يظل الفلاح في حركة دائمة، فحياته زرع وقلع، وحلب ضرع، صيفه استغلال، إن جادت عليه الطبيعة بالأمطار في أوانها. وإن جاءت قبل الوقت المناسب أو بعده قعد حسيرا كئيبا، يعلل نفسه بحكمة الأمثال التي علمته إياها التجاريب، وأملتها عليه الأيام فيردد: «إن فاتك عام استبشر بغيره»، فالقروي صبور، جلود، لا يقنط ولا ييأس، ولا يكاد يسقط حتى يقوم.
لا أدري ماذا يحل بسكان المدن من حكام وعلماء، ومن صناعيين وتجار وعمال، إذا وقف هذا البائس عن العمل، أو قنط ويئس، ولم يحرث أرضه ويرب نعاجه؟!
أيأكلون البضائع التي تعج بها مخازنهم وحوانيتهم؟! وهل يطعمهم الدولاب خبزا وخضارا ولحما؟ ثم من يستهلك منتوجاتهم، وينفق بضاعتهم؟! أليس القروي هو المستهلك والمنتج في وقت معا؟! لقد تخيل الشاعر الفرنسي سولي برودوم هذه الحالة، ووصفها في إحدى قصائده، فرأى الموت على مقربة منه.
فلو لم تسخر الطبيعة أبناءها كلا لعمل، وتجعل أسلوب حياته رائقا في عينيه، لما كان ابن القرية يرضى بعزلته وخشونة عيشه، فإذا دخلت القرية نهارا فقلما تجد في بيوتها غير الشيوخ العاجزين، والنساء اللواتي لا يستطعن عملا، أو اللواتي يهيئن الطعام للرجال الكادحين في الحقول، حتى إذا دنت ساعة الغداء، حملن سلال الطعام في يد، وأباريق الماء في يد، وهرولن إلى الحقول حيث تنتظر الرجال الزاد.
إن أيام القروي مملوءة عملا في جميع الفصول، وهو لا يلجأ إلى بيته نهارا إلا إذا دهمه المطر شتاء، وكواه الحر صيفا، فلكل فصل من فصول السنة عمل لا بد من أن يتمه في حينه؛ لأن المثل يقول له: «الفلاحة يد.» فإذا تقاعس أو تماهل فاته الرزق، والرزق في نظره قسمة ونصيب، ولكن العمل واجب؛ فالله قال: «قم حتى أقوم معك.» فإذا تباطأ أو قصر كان هو المقصر، وصح فيه المثل: «اللي من ايده الله يزيده.» «الحركة فيها البركة»؛ لذا تراهم لا يستقرون، فإذا تركوا الحقل للاستراحة فلا بد من عمل ما حول البيت، فالزمان يخلص، والعمل لا ينتهي، والتعب وسخ.»
ليس كل أهل القرى يحرثون وينكشون، بل هناك فئة تستأجر عمالا، فيكون عملها مراقبتهم لكي يحسنوا العمل ولا يضيعوا الوقت. وكما يتمتع العمال المدنيون بالموسيقى الاصطناعية التي ينطق بها المعدن، كذلك لهؤلاء موسيقى طبيعية ترفه عنهم، فهنا حسون يغني، وشحرور يغرد، وحجل يتكلم، وهناك راع ينفخ في شبابته فيلطف من شقاء الفلاح، ويهون عليه مصيبته، فتصير «نصف مصيبة».
