eş-Şuyuiyye ve'l-insaniyye fi şeriati'l-İslam
تأليف
عباس محمود العقاد
المقدمةتصدر الطبعة الثانية من هذا الكتاب بعد صدور طبعته الأولى بنحو ست سنوات.
وليست السنوات الست بالمدة القصيرة بحساب الحوادث العالمية والتجارب الكبرى في تاريخنا الحديث، وإن تكن قصيرة بحساب السنين، أو بحساب الزمن الذي انقضى بعد إعلان الفلسفة المادية التاريخية في منتصف القرن التاسع عشر.
بل ربما كانت السنوات الست في تاريخ الإنسانية الحديث أحفل بنتائج التجربة العملية من السنين التي نيفت على المائة منذ إعلان الفلسفة المادية؛ لأن تجربة السنوات الست الأخيرة أتت بعد نضج العهد الصناعي الأكبر، الذي جعله أئمة المذهب الماركسي أساسا لمبادئ مذهبهم ودعامة للنبوءات المحتومة التي تترتب عليه؛ ولأن الحوادث التي ارتبطت بتجربة المذهب المادي التاريخي في الزمن الأخير كانت على نطاقها العالمي الواسع أوفر عددا وأكثر تنويعا وأصح دلالة من جميع التجارب الصغيرة التي مرت بالمذهب من منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين.
وعندنا اليوم من دلائل الاتجاه إلى مصير المذهب في المستقبل تجارب القرن الماضي وتجارب السنوات الأخيرة، وكلتاهما قاطعة في الدلالة على ابتعاد العالم في اتجاهه المستمر عن مبادئ المذهب المادي للتاريخ، ولكن المرحلة الأخيرة - مرحلة السنوات القلائل منذ منتصف القرن العشرين - تشير إلى مسافة أوسع كثيرا في الاتجاه البعيد عن المذهب، سواء نظرنا إلى تطبيقاته المتعددة، أو نظرنا إلى نبوءاته التي هي أهم من التطبيقات في امتحان الأسس والدعائم التي قام عليها.
فالثابت اليوم أن المذهب الماركسي يحتاج إلى تعديل كبير في مبادئه الأساسية قبل وضعه في مواضع التنفيذ، وأنه - مع التعديل الكثير قبل الشروع فيه - لا يزال محتاجا إلى التعديل بعد التعديل في أثناء تطبيقه، ولا يزال كل تعديل من هذه التعديلات الكثيرة يبتعد به مسافة بعد مسافة في الطريق المخالف لطريقه، فلم يبق من الماركسية بعد هذه التعديلات غير أنواع من الاشتراكية الديموقراطية تناقض الماركسية في جوهرها؛ لأن الاشتراكية الديموقراطية بأنواعها جميعا تقوم على تضامن الأمة بحذافيرها، ولا تقوم على انفراد الطبقة التي يسميها الماركسيون «بالبرولتارية» ولا يشركون معها طبقة أخرى.
أما النبوءات المحتومة فقد كذبت جميعا، وظهر على الدوام أن نتائج السنين بعد السنين تذهب فيها من النقيض إلى النقيض.
فمن نبوءات الماركسية المحتومة أن البلاد التي تسودها الصناعة الكبرى هي أصلح البلاد لسيادة الماركسية فيها، فإذا بالنتيجة الواقعة في كل مكان أن الماركسية أفشل ما تكون في تلك البلاد، وأن هذه الماركسية تسود بمقدار خلو البلاد من الصناعة الكبرى، لا بمقدار غلبة الصناعة الكبرى عليها، ثم تتغير بها التجربة العملية لا محالة بعد بضع سنوات، فتتقدم إلى الاشتراكية الديمقراطية وتبتعد عن الشيوعية الماركسية بانتظام واطراد.
