Esbabu't-Tarab fi Nevadiri'l-Arab
جمع
لويس شيخو
توطئةقد طبعت في هذه السنين الأخيرة عدة تآليف جليلة لقدماء كتبة العرب، بعضها في البلاد الأوروبية والبعض الآخر في جهات الشرق كسورية ومصر والهند والعجم. وكثير من هذه المطبوعات نادر الوجود، لا يحصل عليه القراء إلا في المكاتب الكبرى، فألحوا علينا غير مرة أن نجمع منها فصولا يجد فيها المطالعون تفكهة للألباب، ويتخذها أحداث الكتبة كقواعد للكتابة. فرأينا أن نلبي دعوتهم فنفرد لهذه المنتخبات بعض صفحات مجلتنا، فننشرها من وقت إلى آخر دون ترتيب كما عثرنا عليها في مطالعاتنا، وقد أضفنا إليها شيئا من مخطوطات مكتبتنا الشرقية النادرة، ثم هممنا بطبعها على حدة لتسهل مراجعتها على من يحب النظر فيها.
نوادرآجر أو صابون؟
حكى أبو محمد عبد الله بن علي بن خشاب النحوي أن رجلا اشترى من عطار قطعة صابون، ومضى إلى النهر لغسل ثيابه، فلما وصل أخرجها فإذا هي قطعة آجر، فصعب الأمر عليه، وقال: هذا يبيع الناس آجرا أو صابونا؟! فمضى إليه ليردها، فلما وصل قال: ويحك، أتبيع الناس آجرا أو صابونا؟ قال: كيف أبيع آجرا؟ فأخرجها من كمه فإذا هي قطعة صابون، فاستحى ورجع إلى النهر، فأخرجها فإذا هي آجر، فعاد إليه ووبخه، وأخرجها فإذا هي قطعة صابون. فعاد مرة أخرى كذلك حتى ضجر، فقال له العطار: لا يضيقن صدرك، فإن لنا ولدا قد أخرجناه على الاحتيال فاعتاده، وإنك كلما مضيت فعل هذا، فإذا رآك قد عدت لردها أعادها في كمك، وأنت لا تعلم.
الأعرابي وهارون الرشيد
قال الرشيد لجعفر بن يحيى في سفرة له إلى الرقة: اعدل بنا عن غبار العسكر. فمالا عنه، فأصاب الرشيد جوع شديد، فعدل إلى خيمة أعرابي فاستطعم، فأتاه بكسيرات خبز يابس، فقال جعفر: لقد تبذل الأعرابي فيما قدم. فقال الأعرابي: مهلا ويحك، فإن الجود بذل الموجود، أما سمعت قول الشاعر:
ألم تر أن المرء من ضيق عيشه
يلام على معروفه وهو محسن
وما ذاك من بخل ولا من ضراعة
ولكن كما يزمر له الدهر يزفن
فقال الرشيد: صدق الأعرابي وأحسن. ثم أمر له بعشرة آلاف درهم.
صبيان المكتب
حكي عن الربيع بن خيثم، أنه مر على صبيان في المكتب يبكون، فقال: ما بالكم يا معشر الصبيان؟ قالوا: إن هذا اليوم الخميس يوم عرض الكتاب على المعلم، فنخشى أن يضربنا. فبكى الربيع، وقال: يا نفسي، كيف بيوم عرض الكتاب على الجبار؟
الأعمى المستقي والسراج
قال بعضهم: خرجت في الليل لحاجة، فإذا أعمى على عاتقه جرة، وفي يده سراج، فلم يزل يمشي حتى أتى النهر، وملأ جرته وانصرف راجعا، فقلت: يا هذا، أنت أعمى، والليل والنهار عندك سواء، فلم حملت السراج؟! فقال: يا فضولي، حملته لأعمى القلب مثلك، يستضيء به فلا يعثر بي في الظلمة، فيقع علي فيكسر جرتي. فكأنه ألقمني الحجر.
