et-Tabiiyyat fi ilmi'l-kelam: Mine'l-madi ile'l-müstakbel
تأليف
أ.د. يمنى طريف الخولي
الإهداءإلى درة عمري ... ومهجة نفسي
وزبد حصادي من الأيام ...
إلى ولدي ... وصديقي ... ... حكيم حاتم ...
أهدي هذا الكتاب ...
نشدانا لأن يحيا مستقبلا ...
أكثر تحقيقا لذاته القومية والحضارية ...
ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا .
ي. ط.
المقدمةالطبيعيات أو الفلسفة الطبيعية هي السلف التاريخي المباشر - وفي الآن نفسه الجذور الضاربة في البنية الثقافية - للعلم الطبيعي الذي يتربع على صدر نسق العلم الحديث، واحتل الموقع الاستراتيجي المعروف في مشروعه، هذا المشروع الذي اتسعت جنباته رويدا رويدا، حتى شملت كل فروع العلم؛ الفيزيوكيمياوية ثم الحيوية ثم الإنسانية، بفضل القيادة الناجحة للفيزياء الكلاسيكية النيوتونية، وفي مطالع القرن العشرين هبت ثورة النسبية والكوانتم (الكمومية) اللتين انتزعتا مقاليد السلطة الفيزيائية من النيوتونية، وكان هذا إيذانا بالتعملق المعاصر الرهيب للعلم الطبيعي، وبالنضج الثري الزاخر لفلسفة العلوم، حتى تعد من المنجزات اليانعة حقا للفكر الغربي الحديث؛ أوليست تقنينا لأصلاب أشد عناصر الحضارة الحديثة فاعلية واتقادا: العلم الحديث؟!
بيد أننا نحيا في عصر توظيف المعلومة، وليس مقبولا أن يقتصر بحثنا في فلسفة العلوم - التي هي غربية بقدر ما هي معاصرة ومستقبلية - على الدرس والنقل والترديد الأصم، بل لا بد من استيعاب هذا لتشغيله وتفعيله في واقعنا الحضاري، ويا حبذا لو جاء هذا التشغيل في رحاب ولخدمة الهاجس الملح إلحاحا على العقل العربي، منذ فجر يقظته الحديثة مع بدايات القرن التاسع عشر، وحتى الآن وما هو آت ... ألا وهو هاجس تجديد التراث وضخ الدماء في شرايينه، وبعث الحياة وعوامل النماء والتطور فيه، هذا الهاجس الذي تمخض عما يموج به الفكر العربي المعاصر من مشاريع شتى تهدف إلى تجاوز واقع مأزوم بآفاق فكر نهضوي، وكما سوف يتضح من السياق التالي، مثلت تلك المشاريع مددا قويا لهذا البحث، فقد حاول الاستفادة من معظمها، والذي تخلق في بقاع شتى من الوطن العربي/الثقافة العربية، بل ومواصلة مسيرتها!
إن جميعها - بطبيعة الإنجاز الفكري والفلسفي - مشاريع نخبوية مجردة بدرجات متفاوتة، تدور في رحى إشكالية العلاقة بين الفكر والواقع، بين مطرقة واقع موار وسندان فكر رهاج؛ لتبزغ الطبيعيات كبؤرة أولية متعينة للواقع، تميزت عن كل تعينات الواقع بأن العقل العلمي الممنهج استطاع أن يحكم قبضته عليها حين اقتنصها بين شباك النسق العلمي، التي تزداد ثقوبها ضيقا ودقة يوما بعد يوم، وإلى غير نهاية.
