et-Ta'biru'l-Musiki
تأليف
فؤاد زكريا
مقدمةتدور في صحفنا اليوم معركة أدبية حول طبيعة الفن وغايته، وهل ينبغي أن يكون فنا هادفا، أم يكون فنا «من أجل الفن» فحسب. وعلى الرغم من أن هذه المعركة قد طال أمدها، دون أن يبذل أحد الطرفين جهدا لتفهم وجهة نظر الآخر، وإدراك الدلالة التي تكمن وراء تشبثه بها؛ فليس من شك في أن من صميم مهمة أي باحث في فن من الفنون، ألا ينعزل عن هذه المعركة الدائرة، بل ينبغي عليه - إذا شاء أن يكون بحثه مرتبطا بالمشاكل الفكرية للعالم الذي نعيش فيه - أن يحدد موقفه منها، ويحلل معانيها المختلفة، ومدى صلتها بالمشاكل التي يناقشها.
وأول ما أود أن أنبه إليه، هو أن مشكلة الفن الهادف، والفن لأجل الفن، قد أصبح لها معنى باطل عند الكثيرين ممن يعالجونها؛ فالقضية التي يدافع عنها أنصار فكرة الفن لأجل الفن، هي قضية تلقائية الفنان: أعني أن الفنان ينبغي ألا يفرض عليه هدف من الخارج، بل يجب أن يترك ليعبر عما يحس به فحسب. والخطأ الذي يقع فيه كثيرون من أنصار فكرة الفن الهادف - وأكون متجنيا لو قلت: كلهم - هو أنهم يصورون دعوتهم كأنها تفرض على الفنان أهدافا معينة، يتحتم عليه أن يجعل من فنه أداة للتعبير عنها. وهذا الخطأ هو أخطر ما يصيب قضيتهم، وهو الذي يستغله خصومهم، ويستمدون منه قوتهم. فلا جدال في أن حرية الخلق، وتلقائيته، شرط أساسي لكل إنتاج فني سليم، فإذا ضاع هذا الشرط بدا العمل الفني متكلفا، لا روح فيه.
على أن في الدعوة القائلة بالفن لأجل الفن نقطة ضعف أساسية، تكاد تقضي على مذهب أصحابها بأسره ؛ تلك هي تماديهم في فكرة الحرية والتلقائية إلى الحد الذي يتركون الفنان فيه ينتج كما يشاء، حتى لو كان إنتاجه هادما لمقومات الإنسانية، أو الجماعة التي يعيش فيها، وحتى لو كانت أعماله تبعث في المجتمع روح التخاذل والانحلال، أو تتجاهل المشاكل الحقيقية لهذا المجتمع أصلا. فلا جدال في أن الفن مسئولية كبيرة، ومجرد كون الفنان قد أخذ على عاتقه مهمة نشر فنه بين الناس، ولم يكتف بجعله مسلاة لشخصه هو وحده، يعني أنه قد تحمل هذه المسئولية، أي: تحمل العواقب الناجمة عن انتشار فنه بين الناس، ومن هنا كان من الضروري أن نحاسبه على الآثار التي تجلبها أعماله الفنية على المجتمع الذي يعيش فيه.
وإذن، ففي موقف كل من الطرفين نقطة ضعف ينبغي التخلص منها، وميزة ينبغي الاحتفاظ بها. أي إن الوضع السليم للفن هو أن يكون تلقائيا حرا، ويكون في نفس الوقت عاملا من عوامل النهوض بالمجتمع نحو مستقبل مشرق مضيء. فكيف نوفق بين هذين الشرطين، اللذين يبدو كل منهما متعارضا مع الآخر؟
