et-Tarâif fî ma'rifeti mezâhibi't-tavâif
بسم الرحمن الرحيم الحمد لله كما يستحقه لذاته، ويستوجبه بإحسانه إلى مخلوقاته، ونشهد أن لا إله إلا هو كما دل عليه بواضح دلالاته، وأنه بعث رسلا مشيدة بحججه وبيناته، وأوضح الطريق إليه لئلا يكون لأحد حجة عليه.
وبعد: فإني رجل من أهل الذمة ولي بذلك على أهل الإسلام ثبوت حرمة فيجب أن لا يعجلوا بذمي على ما أسطره، بل يتفكروا في حقيقة ما أذكره، فرب ملوم منا لا ذنب له.
وذلك أني مذ نشأت سمعت اختلاف أهل الملل في كل زمان، فسافرت بنفسي وخاطري وناظري في العقائد والأديان، لا حصل لنفسي السلامة وأفوز برضا الله ودار المقامة، وأسلم من الندامة وخطر يوم القيامة.
وإنني عرفت ما بلغ إليه محمد صلى الله عليه وآله ومن أتبعه على ملته، فأحبت أن أقدم النظر فيما جاء به وفي حال اتباعه وشريعته، فوجدت أكثر أهل الإسلام المالكية والحنفية والشافعية والحنبلية، وهم الأربعة المذاهب مذهب مالك ومذهب الشافعي ومذهب أبي حنيفة ومذهب أحمد بن حنبل ولم أرتب
ذكرهم ههنا على حسب ترتبهم في أزمانهم لأن المقصود غير ذلك.
فسألت: هل كان هؤلاء الأربعة من أصحاب نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وأهل زمانه؟ فقيل: لا. فقلت: هل كانوا جميعا من التابعين الذين لقوا أصحابه فسمعوا منهم ورووا عنهم؟ فقيل لا بل هؤلاء الأربعة تكلموا فيما بعد وتعلموا العلم وقلدهم أكثر المسلمين.
فقلت: هذا عجيب من هذه الأمة، كيف تركوا أن يسموا أنفسهم محمدية وينسبوا إلى اسم نبيهم محمد صلى الله عليه وآله، وكان ذلك أشرف لهم وأقرب إلى تعظيم نبوته وإظهار حرمته، وليتهم جعلوا مذاهبهم باسم أحد من أهل بيته وعترته أو باسم أحد من صحابته أو باسم أحد شاهد آثارهم وأعلامهم فكيف عدلوا عن ذلك كله وسموا أنفسهم باتباع هؤلاء الأربعة الأنفس؟
ثم سألت: هل كان هؤلاء الأربعة المذاهب في زمان واحد وعلى دين واحد؟
فقيل: لا بل كانوا في أزمان متفرقة وعلى عقائد مختلفة وبعضهم يكفر بعضا.
فقلت: هذا أيضا عجيب من هذه الأمة التي تذكر أن نبيهم أشرف الأنبياء وأن أمته أشرف الأمم، فكيف اتفق أكثرهم على الاقتداء بأربعة أنفس على هذا الاختلاف الذي خرجوا به عن طريق نبيهم محمد صلى الله عليه وآله في الاتفاق والايتلاف وتباعدوا بذلك عما يذكرونه من قواعد (1) الأسلاف.
ثم سألت: عن معنى ما تضمنه كتابهم " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " (2) فقالوا: هذه الآية نزلت على نبيهم في أواخر عمره حيث كمل الله دينه.
فقلت: كان دينه قد تكمل في حياته فما هذا الاختلاف العظيم بعد وفاته
مع قرب بعض هؤلاء الأربعة المذاهب من الصدر الأول؟.
