et-Tavahin
تأليف
عبد العزيز بركة ساكن
إهداءإلى مريم بنت أبو جبرين
أمي
عبده بركه
ملكة الحريةأخذ الريش ينمو على ساعدي اللذين أصبحا فيما بعد جناحي.
كان في البدء زغبا ناعما، ثم نمت الأرياش العصفورية الصغيرة البيضاء الرمادية بكثافة مذهلة، وهي تطول وتقوى، مكونة جناحين ضخمين، لهما ألوان زاهية قوية.
كان صوته يأتيني مكثفا من عمق لأسبر أغواره: ركزي، ركزي، ركزي، ركزي، ركزي.
راقدة كنت على لحاف من الأخشاب الرطبة، مفترشة أرض المحراب بغير وسادة، رجلاي ممدودتان، مستقيمتان، يداي موضوعتان في تواز مع جسدي، أنا أرتدي ملابس القطن الدافئة ...
كنت عاريا تماما، كالشمس في ظهيرة ذلك اليوم ... - ركزي ... ركزي ... ركزي.
ثم أضاف الصوت العميق السهل الساحر: أفرغي العظام ...
خففي وزنها حتى تصير كعظام الحدأة، خفيفة كالريح؛ تصير ريحا.
الصوت المكثف العميق الواسع، يغوص في لب عظامي فينخرها، يتجول بين مسام لحمي، تتبخر الشحوم والعضلات، والإرادة في الهواء، هواء المحراب المعطر، يكهربني، الصوت السهل المنساب في دمي يسحرني.
والآن، الآن، الآن، الآن: طيري، طيري ... طيري، طيري، طيري ...
كان صوته محددا واضحا ولا شك في ما يعنيه، ولكن كيف؟ - حركي جناحيك بقوة نحو الأعلى.
نحو الأسفل.
نحو الأعلى.
نحو الأسفل.
نحو، نحو، اركضي.
حركي ارك ... والآن طيري.
طيري، طيري.
كان صوته ملحا واثقا، كلما هتف في: طيري، يخف وزني تدريجيا، تتبخر أحزان الجسد، لحمه وشحمه، ترهف عظامه وتتحرر أجنحتي، ثقل العقل والحقيقة، ثم، ثم.
بدأت العدو، كحدأة رشيقة انطلقت في الفضاءات، فوق، فوق، فوق الأرض.
ارتفعت فوقه، كان منتصبا بمحرابه يكرر: ركزي.
ارتفعت فوق مبنى المحراب.
فوقه قطياته الثلاث ... فوق ...
فوق دوماته الباسقات ...
فوق ...
فوق أزهاره المتوحشة العشوائية ...
فوق.
فوق الغابة كلها، فوق النهر، مزرعتنا الخضراء وأشجار عرديبها، فوق الوابور الشفاط النائم على الشط، حلقت عاليا.
صوته السهل الواثق ينساب حلوا ولذيذا دافئا: ركزي، ركزي، ركزي.
حلقي يا حدأة الله الجميلة، يا زهرة النار التي بقلب الريح، حلقي.
أيتها الريح ...
حلقت عاليا إلى أن رأيت جبل المرسم الطبيعي.
مرسم مايازوكوف، فلادمير وتلاميذه المجانين.
حلقت فوقه.
