ez-Zeytune ve's-Sindiyane: Adel Karasholi'nin Hayati ve Siirine Bir Giris, Divaninin Tam Metniyle: Boyle Dedi Abdullah
تأليف
عبد الغفار مكاوي
تمهيد(أ) زيتونة وسنديانة.
ربما كانت هذه الاستعارة هي أصدق وصف لحياة «عادل سليمان قرشولي»، وإنجازه الأدبي والثقافي، ورسالته التي كرس لها جهوده ووهبها وجوده، هذا الشاعر السوري الأصل الذي يعيش ويوجد نفسه يعامل ممنعمل ويعلم ويبدع، ويشارك مشاركة فعالة في الحياة الشعرية والثقافية في مدينة «ليبزيج» الألمانية منذ ما يقرب من أربعين عاما متصلة.
إنه شجرة زيتون في دمشق، وشجرة سنديان تضرب جذورها في ليبزيج، والشجرتان اللتان تتعانق أغصانهما وتتشابك في الضلوع، تلقيان ظلالهما الندية فوق مدينتين، وأدبين، ولغتين، وتراثين، وحضارتين، وتقيمان جسور المودة والحوار والتفاهم والتقارب بين شاطئين يبدو للنظرة الضيقة وحدها، كأنما لا يمكن أن يلتقيا أبدا، أو كأن لعنة «كولريدج» المشهورة: «الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا» ستظل تلاحقهما بغير أمل في لقاء أو عناق. (ب) شجرة زيتون في أرض الطفولة، وشجرة سنديان في المهجر.
الأولى تمد جذورها في دمشق، في أعماق الطفولة، والحلم، والذكريات، والشوق.
والثانية تنشر ظلالها في «ليبزيج»، مدينة الكتب، والعلم والفكر، والموسيقى، والهواء الموبوء بدخان المصانع وغبار الفحم.
زوج مختلف مؤتلف معا في وجدان الشاعر الذي ما فتئ - على مدى أربعة عقود من الزمان - يزاوج بين القطبين الأخضرين، ويتسلق الجذعين الراسخين في صميم كيانه، ويبذل كل ما يستطيع لإتمام الزفاف بين الثلج ودفء الشمس، في محاولة دائبة لتحسس الطريق إلى «الآخر»، ورأب الصدع أو الشرخ الذي يباعد بينهما ويعذبه ويمزقه ليل نهار: «آه أيها الشوق، لا تخنق البراعم في الضلوع المتشعبة الغصون.»
والشوق يحمله لشجرة الزيتون العجفاء التي تسخو بالزيتون، وتختزن الشمس في عروقها وتحط على مرساتها الخضراء حمامة نوح، والشوق يحركه أيضا نحو شجرة السنديان التي يتقطر منها المطر المتواصل، وتصنع من أوراقها المتكاثفة سقفا لحبه الكبير.
ويبقى البلد البعيد - الذي تستقر فيه وفي أحلامه وذكريات طفولته عنه شجرة الزيتون - وشما على الجبين، تميمة حول الرقبة، نبيذا معتقا في الذاكرة، بل نفسا يتردد في الصدر، وصورة تمسك بها يداه عندما يتوه في أدغال المدن الغريبة، كما يمسك الطفل برداء أمه في زحام البازار.
وتناديه أصوات اللهفة والحنين من ذلك البلد البعيد، فيلهث داخل الشبكة الواسعة التي أحكم خيوطها البلد الآخر، وهو يتحسس الطريق إلى حضن الأم. ويظل البلد البعيد هو الوطن الذي تتشبث أشواقه وذكرياته بجذورها الضاربة في حواريه الضيقة، وأزقته المتعرجة وملاعب طفولته وصباه، وأيام شبابه الباكر بأحزانه وأفراحه وكفاحه في سبيل لقيمات خبز تملأ الجوف، ولقيمات من خبز الشعير الذي بدأ ينضج تحت شمسها. ويبقى البلد الأجنبي، الذي جاء إليه بإرادته الحرة وفوق جبينه أحلام خضراء، هو الوطن الذي استطاع - بعد الكد والمرارة، والتحدي والمعاناة في تخطي أسواره الشائكة - أن يرسخ فيه جذوره، ويستظل فيه بنعناعة حبه الذهبية الخضراء، وينتزع الإعجاب والاحترام والاعتراف والتكريم أيضا من الآخر العنيد المتصلب، الذي لم ينجح كل النجاح في تخطي أحكامه وتحيزاته المسبقة ضد الشرقي والعربي بوجه خاص.
