Fatimatu'z-Zehra ve'l-Fatimiyyun
تأليف
عباس محمود العقاد
تمهيدترد الإشارة إلى الوراثة في مواضع شتى من هذه الصفحات التالية، ونعول عليها في مناسبات شتى لتفسير بعض الأطوار. ومنها أطوار الجماعات أو أطوار الحركات التاريخية.
وأراني أهم بأن أضرب المثل فأبدأ بنفسي وبأثر الوراثة في كتابة هذه الصفحات وكتابة كثير من الصفحات في الموضوعات الإسلامية، وما اتصل منها بالعترة
النبوية على التخصيص، ومن أمثالنا في الصعيد الأعلى ما معناه: أن البيت إذا احتاج إلى الخبز فهو أولى به من الجامع.
ولدت لأبوين من أهل السنة: أبي على مذهب الشافعي وأمي على مذهب أبي حنيفة، وفتحت عيني على الدنيا وأنا أراهما يصليان ويتيقظان قبل الفجر لأداء صلاة الصبح حاضرة، وربما زارنا أحد أخوالي في تلك الساعات المبكرة ذاهبا إلى المسجد القريب أو عائدا منه إلى داره.
وفتحت أذني كما فتحت عيني على عبارات الحب الشديد للنبي عليه السلام وآله، فمولد النبي حفلة سنوية في البيت نترقبها نحن الصغار ونفرح بها؛ لأننا نحن القائمون بالخدمة فيها. وأسماء النبي وآله تتردد بين جوانب البيت ليل نهار؛ لأنها أسماء إخوتي أجمعين: محمد وإبراهيم والمختار ومصطفى وأحمد والطاهر ويس، وشقيقتي الوحيدة اسمها فاطمة، واسمي أنا منسوب إلى عم النبي لا إلى الأمير الأسبق: عباس حلمي الثاني كما كان يتوهم بعض معارفي؛ لأنني ولدت قبل ولايته، وأبيت في المدرسة أن ألقب بلقب «حلمي» جريا على ما تعودته المدارس في تلك الحقبة، وبقيت منسوبا إلى اسم «محمود » وهو كذلك من أسماء النبي، ولم يكن لأبي إخوة، وإنما كانت أختاه الشقيقتان تسميان باسم نفيسة واسم زينب، وأولادهم ينادون بالأسماء التي تغلب عليها هذه النسبة الشريفة.
ورثت هذا الحب الشديد للنبي وآله عليهم سلام الله ورضوانه، وليس هذا الحب الشديد بالمستغرب من أهل السنة؛ لأنهم يدينون بدستور السنة النبوية، ولكنه كان في بيتنا أشبه بالعاطفة النفسية منه بالآداب المذهبية، فاستفدت منه كثيرا في دراسة تاريخ الإسلام.
استفدت منه أنني كنت شديد التريث في سماع كل دعوى من دعاوى السياسة القديمة التي كانت تقوم على إنكار حق، أو إنكار فضل؛ أو إنكار نسب، أو إنكار ما من ضروب الإنكار التي تمس تواريخ أهل البيت النبوي من بعيد أو قريب.
ولم أستفد منه بحمد الله كراهية أحد ذي حق أو ذي فضل؛ لأن قداسة العظمة الإنسانية تحجب عندي جميع هذه الصغائر التي تمس تواريخ العظماء أجمعين، وولعي بدراسة تواريخ العظماء من طفولتي الباكرة عصمني بحمد الله من غوائل
