Felsefetü'l-Gazali
محاضرة السيد الأستاذ عباس محمود العقاد
محاضرة السيد الأستاذ عباس محمود العقاد
فلسفة الغزاليتأليف
عباس محمود العقاد
محاضرة السيد الأستاذ عباس محمود العقادفلسفة الغزالي موضوع واسع الأطراف، بعيد الغور، إذا أردنا به تفصيل مذهبه في حقائق الوجود ومطالب المعرفة؛ لأنه بحث مع الفلاسفة كما بحث مع المتكلمين والمعتزلة، ومع الفقهاء والمتصوفة، ومع علماء الدين الإسلامي وغيرهم من علماء الأديان، وكان له في كل بحث من هذه البحوث اجتهاد من عنده وتعقيب على قول غيره، وموافقات تقترن بها مخالفات لكثير ممن ناقشهم وناقشوه، تتعذر الإحاطة بها في الحديث الواحد، بل يتعذر الإلمام بها في الحديث الواحد، إلا أن يكون من قبيل الفهارس التي تسرد العناوين ولا تتعداها إلى شرح واف أو إجمال مفيد.
ولكنني لم أقصد بفلسفة الغزالي هذا القصد، وإنما قصدت بها «تفلسف» الغزالي أو ملكته الفلسفية، أو قدرته على بحث المسائل من الوجهة الفلسفية، وهو موضوع على اتساعه يتقبل التلخيص في مثل هذا الحديث، ويجزئنا فيه أن نعرف الملكة الضرورية للفيلسوف، وأن نعرف دلائل هذه الملكة في الإمام الكبير وهي ظاهرة بينة في منهجه الذي يتوخاه كلما عرض لمسألة من مسائل الوجود، ولا سيما المسائل التي اصطلح الباحثون على تسميتها بمسائل «ما بعد الطبيعة».
لو سئل الغزالي رحمه الله: هل أنت فيلسوف؟ فما عسى أن يكون جوابه يا ترى؟
أكبر الظن أنه كان يجيب بالنفي، ولا يعدو الحقيقة في نفيه شبهة الفلسفة عن نفسه، إذ كان للفلسفة في ذلك العصر مدلول غير مدلولها الذي نفهمه الآن في العصر الحاضر، وغير مدلولها الذي أراده من وضعوا الكلمة تواضعا منهم، ولم يشاءوا أن يصفوا أنفسهم بالحكمة فقنعوا بمحبة الحكمة، وهي معنى كلمة الفلسفة باليونانية كما هو معلوم.
لقد كان معناها في عصر الغزالي أنها كلام يستحق منه الرد، ويظهر تهافته من المناقشة بالحجة والبينة، ولولا ذلك لما اختار لمناقشته اسم «تهافت الفلاسفة» كأنه يعني به تهافت الفلسفة على الإطلاق.
فلو سئل الغزالي: هل أنت فيلسوف؟ لأنكر انتسابه إلى القوم الذين يبطل حجتهم ويدحض آراءهم ويقضي على أقوالهم بالتهافت، وهو الضعف الذي لا يقوى المتصف به على التماسك والثبوت.
لكننا ننظر الآن إلى أقوال الغزالي في مناقشته للفلاسفة فنعلم أنه ناقش الفلسفة بالفلسفة، وحطم السلاح بسلاح مثله، بيد أنه أنفذ وأمضى، فهو على هذا فيلسوف أقدر من الفلاسفة الذين أبطل حجتهم، أو هو فارس في هذا الميدان أو في عدة من سائر الفرسان، ولو أنه تصدى لهذه الصناعة بغير أداتها لما وضحت حجته بين الحجج ولا استطاع أن يكشف بطلانهم ولو كانوا مبطلين.
