Fi Beyti
في بيتي
في بيتي
في بيتيتأليف
عباس محمود العقاد
«في بيته»، نظرة إلى تمثالين للبومة التي كان العقاد يتحدي عن طريقها التشاؤم.
في بيتيقلت لك يا صاحبي: إنني أحب مدينة الشمس؛ لأنني أحب النور.
أحبه صافيا وأحبه مزيجا، وأحبه مجتمعا وأحبه موزعا، وأحبه مخزونا كما يخزن في الجواهر، وأحبه مباحا كما يباح إلى العيون على الأزاهر، وأحبه في العيون وأحبه من العيون وأحبه إلى العيون.
ويوم سكنت في هذا المكان، ونظرت من هذه النافذة، أعجبني أنني أفتحها فلا أرى منها إلا النور والفضاء.
والحق أنه لا فضاء حيث يكون النور.
وكيف يكون فضاء، ما يملأ العينين، ويملأ الروح ويصل الأرض بالسماء؟
قلت لك يا صاحبي: إنني أحببت النور، فسكنت في مدينة النور!
وأود أن تفهمني حين أقول لك: إنني أحب النور.
فإنني لا أحبه لأنه يريني الدنيا وما فيها، أو لأنه هو واسطة الرؤية وأداتها، ولكنني أحبه لأراه ولو لم أر شيئا من الأشياء.
وقديما كنت أقول: إن الأرواح تخف في النور كما تخف الأجساد في الماء، كأنما هي تسبح فيه وتطفو عليه. «في حجرة المكتبة» العقاد في جلسة أمام قسم الأدب الإنجليزي في بيته.
وكنت أقول:
النور سر الحياة
النور سر النجاة
ألمحه بالروح لا
لمح العيون الخواة
ما تبصر العين من
معناه إلا أداة
وكنت أحسبه «روحانية» ترى العين و...
أرى الأرض روحانية في جمالها
وإلا فما بال النفوس بها تسمو
إذا فاض منها النور هزت قلوبنا
سعادة روح ليس يعرفها الجسم
ولو أنها من لذة الحس عفتها
كما قد يعاف اللمح والسمع والشم
كرهت من الدهر الكثير ولم يزل
بقلبي من شمس النهار هوى جم
ترى كل يوم وهي عندي كأنها
غريب عرا لم يدر وصف له واسم
عجبت لأرض تخطر الشمس فوقها
وتشرق فيها، كيف يطرقها الغم
فلا أتكلم بالمجاز حين أقول لك يا صاحبي: إنني أراه من عالم الروحانيات، وإنني أشبع منه الروح والعين ولا أشبع منه العين وكفى، وإنه شيء يرى ويرى ويرى ولا تمل رؤيته ولا يشبع من النظر إليه، وليس هو الشيء الذي غاية ما يكفيك منه أنه يريك الأشياء.
قال صاحبي: هذا من عمل النشأة الأولى، هذا من عمل أسوان! قلت: أوتظن ذلك؟ ولم لا تظن أن النشأة الأولى تزهدنا فيما هو مبذول لدينا، بل فيما هو مسلط علينا؟
هل رأيت شاعرا من شعراء الصحراء يتغنى بالشمس المجيدة، أو الشمس الفاخرة أو الشمس الباهرة كما يتغنى بها أبناء الفيوم أو أبناء الشمال؟
