Fi Zilali'l-hakika
تأليف
نجيب أشعيا
تقديم الكتابواجب علي مقدس نحو مصر، حيث شببت وعشت العشرة والعشرين زهرة العمر، حيث نزلت على الرحب والسعة، حيث صادقت وأحببت وكافحت وجاهدت روحا وجسما، فذقت طعم الحياة من حلاوة ومرارة، فنلت غايتي الأولى، وتجلت لي الحقيقة فنلت بها غايتي الثانية.
فلمصر وطني الثاني بشخص سيدها الجالس على عرشها فؤاد الأول، أؤدي هذا الواجب فأقدم عروسة فكري وربيبة روحي، شكرا لما كان ولما سيكون.
نجيب أشعيا
الفصل الأولالفاتحة
على ضفاف النيل، تحت ظل النخيل، على مقعد من خشب في مقدمة الجزيرة، هناك كان يجلس شاب في مقتبل العمر حاسر الرأس يلاعب شعره النسيم، يحول عينيه تارة إلى الماء وطورا إلى السماء مبتسما مرة وعابسا مرة أخرى. كان هذا الشاب يرتاد هذا المكان لجمال موقعه وطلبا للراحة بعد عناء الأعمال، ولما كان يوحي إليه هذا الموقع من الأفكار التي كان يلذ له التفكير فيها، لم يكن يرتاح إلى الأخذ بالظواهر فقط رغم حسنها أو قبحها، بل كان يحب التعمق في كل شيء؛ ليصل إلى معرفة أصول ما يشاهد أو يسمع، فإنه كان يطلب الحكمة في أرجاء هذا الكون.
إنما الحكمة بنت الاختبار
تقتنيها النفس بعد الاعتبار
أو بالأحرى كان يبحث عن الحقيقة بنفسه؛ لأنه في أوائل سني تلمذته كان قد سمع هذا البيت؛ فتنبهت له حواسه وأخذ من ذلك الحين في التفكير رغم ما كان يبدو عليه مرارا من دلائل الخفة وعدم الاكتراث؛ لذا تربت في نفسه ملكة البحث رويدا رويدا، إلى أن تملكت منه فأصبحت فيه طبعا لا يهنأ له عيش إلا بالتفكير للوصول إلى الحقيقة أو البحث عنها. لم يكن يقرأ كثيرا؛ لأنه كان كثير الخيلاء، لا يريد أن يتأثر بأفكار الغير، بل كان يريد أن يربي نفسه بنفسه؛ ليكون له رأي خاص عن اقتناع شخصي، إلا أنه كان إذا أثبت له بعد ذلك فساد رأيه ينقاد إلى الصحيح بسرور عظيم وشكر. كان يحب المباحثة والإكثار منها مع كل الناس من مختلف الطبقات والأجناس، الكبير والصغير، العظيم والحقير، نساء ورجالا فتية وفتيات؛ لاعتقاده بأن الروح العظيمة ليست لها طبقة أو أمة مخصوصة بل توجد في عموم الطبقات والأجناس، وكم كان اغتباطه عظيما عندما كان يتغلب رأيه على رأي محدثه، فينقاد هذا مقتنعا إليه خصوصا إذا كان المقتنع من ممتازي الناس ومعروفيهم إن علما أو مركزا أو جاها.
كانت عيشة صاحبنا هذا مزدوجة: حياة الحاضر، وحياة الماضي التي كانت دائما ماثلة بتذكاراتها أمام عينيه؛ لأنه كان يقول: إن الإنسان الحقيقي الذي يمكن أن يدعى بحق إنسانا هو ذاك الذي يعيش بنفسه وبقلبه وبتذكاراته أكثر مما يعيش بجسمه.
