Firdevsü'l-hikme fi't-tıbb
فردوس الحكمة في الطب لابي الحسن علي بن سهل بن ربن الطبري بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله الحي الدائم المنان الخالق البارئ وصلى الله العظيم على محمد النبي وآله وسلم هذا كتاب جامع، علي ابن ربن ابتدأ حامدا لله فقال إن مدح الخير والجود وتفضيل أهلها امر تجتمع عليه الأمم كلها، ومن ارتاد منافع الناس فهو خير ومن جاد بما عنده فهو جواد، ولم أزل بمن الله وتوفيقه أحب الخير وأجود بميسوره وتسمو نفسي إلى ما هو أعم للناس نفعا وأبقى على وجه الدهر مما نالته يدي منه إذ كان أفضل الخير أعمه وأدومه فلم أر ذلك يسهل الا للملوك ثم لواضع الكتب في الآداب المحمودة مثل علم الطب الذي يحتاج اليه كل انسان وفي كل حين ويمدحه اهل كل دين، وكان أبي من أبناء كتاب " مدينة " مرو وذوي الأحساب والآداب بها وكانت له همة في ارتياد البر وبراعة ونفاذ في كتب " الطب والفلسفة " (1) وكان يقدم الطب على صناعة آبائه ولم يكن مذهبه فيه التمدح والاكتساب بل التاله والاحتساب " فلقب " (2) لذلك بربن وتفسيره عظيمنا ومعلمنا، و كان أفهمني منه في صغري ما لم ادع التزيد اليه بقدر ما قسم الله لي منه وعلى حسب ما أعان عليه الزمان والطبع ووجدت فيما قرأت من كتب الحكماء كناشات " اي " مختصرات كثيرة لأهل سوريا وغيرهم قد اقتصر أصحابها فيها على فن واحد من فنون الطب
المتفرقة (1) الكثيرة، فدعاني ذلك إلى أن ألفت منها كتابا جامعا لمحاسن كتب الأولين والآخرين ليكون زماما لها كلها واماما محيطا " لجوامع " الكناشات وحذفت منه المعاني المكررة والخطب المشكلة المبرمة وقصدت إلى الفوائد والعيون، فتهيأ لي " منها " بعون الله سر من اسرار الحكمة وكنز من كنوز الصناعة وكناش يحيط بأكثر مما يتمناه المتمني ويبلغه الواصف من علم الطب ومعرفة أصول هذا " العالم " (2) وفروعه وكيفية جواهره واعراضه وكون أنفسه و " أجسامه " (3) وتراكب حيواناته ونباته وعلل ألوانه ومذاقاته. و منافع ذلك كله ومضاره وحدود أشياء حدتها الحكماء، فما أشبه الناظر فيه بفهم الا كالمتردد في الفراديس المثمرة المونقة أو في أسواق المدن العظيمة التي توجد فيها لكل حاسة من الحواس لذتها و سرورها غير أن من اقتصر من معرفة الجنان والمدن على معاينة أبوابها فقط كان كمن لم ير منها شيئا وكذلك من عد أبواب كتابي هذا و لم يستقص قراءة ما في كل باب " منها " لم يعرف حقيقة " ما أقول " (4)، ولقد اجتمع " ذلك " لي في عدة سنين وبعد تعب وسهر " مع اشغال دائمة مما كنت اتولى من كتابة ملك بلادي فما كنت أتفرغ لجمعه الا في أوقات يحتاج البدن فيها إلى نصيبه من الراحة والجمام لكن النفس كانت تأبى الا شهوتها واحتسابها وتقديم العناية به على المنافع والملاهي والسكون، فلما شارفت الفراغ منه عرض لي حادث من الدهر أزعجني عن بلادي إلى مستقر الملك الأعظم وأمرني بملازمة بابه في بعض اعماله، فعاق ذلك أيضا عما أردت إلى الوقت الذي اذن الله تعالى في اتمامه " في مدينه سر من رأى، وذلك في السنة الثالثة من خلافة العدل المؤيد الوهاب جعفر الامام المتوكل على الله أمير المؤمنين،
