Fransis Bâkon
تأليف
عباس محمود العقاد
تقدمةفي الصفحات التالية تعريف بالمفكر الباحث الفيلسوف فرنسيس باكون، الذي ينسب إليه بناء العلم الحديث على أساس التجربة والاستقصاء.
وينقسم القول فيها إلى قسمين: قسم «عن باكون»، ويشمل النظر في عصره ونشأته وأخلاقه ورسالته الفكرية ومكانته الأدبية.
وقسم «من باكون» ويشمل المختارات من كتبه، التي يخلد بها بين رجال القلم، ولا تنقضي قيمتها الفكرية أو الأدبية بانقضاء فترة من فترات الثقافة الإنسانية أو الثقافة الأوروبية.
وكلا القسمين متمم للآخر في التعريف بالمفكر الكبير، ولكن في حدود هذه الصفحات التي تكفي لإجمال الجوهري من عمله وأثره، ولا ترمي إلى استيعاب النوافل والزيادات، وإن كانت تومئ إليها أقرب إيماء.
وحسبنا من هذه الصفحات أنها تعرف به من لا يعرفه، وأنها تضيف شيئا - ولو يسيرا - إلى هذه الناحية أو تلك من وجهات النظر العديدة إليه، في رأي عارفيه.
عباس محمود العقاد
فرنسيس باكون.
عن باكونعصر الرشد
نشأ فرنسيس باكون في إبان عصر الرشد، بعد تمهيد غير قصير في طريق اليقظة والاستطلاع والكشف والتجربة.
ونسميه عصر الرشد؛ لأن العصور التي قبله كانت عصورا قاصرة يفكر فيها العقل البشري بهيمنة من الوحي المسيطر عليه، ولا يجرؤ على التفكير لنفسه والاستقلال برأيه وعمله.
فلما نشأ باكون كانت القارة الأوروبية قد مضت شوطا بعيدا في التفكير المستقل والبحث الطريف والاستطلاع الذي لا يحجم عن مسلك من المسالك في عالم المجهول أيا كان وحيثما كان: في السماء أو في الأرض، وفي أعماق الفكر، أو في أغوار الضمير.
كان كوبرنيكوس وجاليليو قد عرفا سر الشمس، ووضعا الأرض في مكانها من السماء أو من المنظومة الشمسية.
وكان كولمبس قد كشف الأرض لنفسها، وجمع بين شطريها بعد طول افتراق وانفصال.
وكانت النهضة قد عمت القارة الأوروبية بين شرقها وغربها، وهجمت عليها هجوم الجيش المحاصر من جميع منافذها: فمن الشرق جاءها الرهبان بعد فتح القسطنطينية يحملون كتب الإغريق وكتب العرب وسائر الكتب التي اجتمعت لطلاب المعرفة من نساك الأديرة في العصور الطويلة، ومن الجنوب جاءتها فلول الصليبيين تنقل عن الشرق كل ما اقتبسته من صناعاته ومصنوعاته، ومن الغرب سرت فيها بقايا الحضارة الأندلسية، بعد أن تفرق مريدوها وتلاميذها في الأقطار الأوروبية، ومنهم قسيسون ورهبان، ومرتابون في العقائد والأديان.
