Galva
تأليف
إلياس أبو شبكة
كتبت «غلواء» بين 1926 و1932 وليس فيها من حياة المؤلف في مطلع شبابه إلا شطر ضئيل، فهي في مجموعها من صنيع الخيال لا من صنيع الواقع.
وعبثا يحاول القارئ، ولو طال الزمن ومهما يطل، أن يجد في «غلواء» مستندا لظن أو موضوعا لاجتهاد؛ فهي حياة جماعة لا حياة فرد، هي الحياة وليست حياة، هي قصيدة لا تاريخ.
تشرين الثاني 1945
العهد الأولالمريضة
ما أسلم القلب وأصفى السمرا
وأهنأ الشتاء في تلك القرى
وأطول الليل به وأقصرا!
تجري الليالي عذبة كالساقيه
يضن منها بالليالي الباقيه
كأنها بقية من عافيه
في ليلة لطولها وسنانه
والأرض مما شربت نشوانه
عاد فألفى أمه سهرانه
فقال: «ما عودك الليل السهر
لم يبق إلا ساعتان للسحر ... أقرأ في وجهك، يا أم، خبر
غلواء؟ ما حل بها؟ ... شقيه!
أما تبقى للرجا بقيه؟
مسكينة! ويل امها، صبيه!
وحاول النوم بدون جدوى
كأن في عينيه قلبا يهوى
وقلبه كان بريئا خلوا
وانتقل انتقالة عجيبه
من ألم الروح إلى غيبوبه
كشعلة في نفسه مشبوبه
طورا يرى غلواء في صباها
تشع في وجدانه عيناها
معقودة الحسن على رياها
وتارة في كفن ملتفه
يسرح الموت عليها كفه
بحسرة عاطفة ولهفه
بارزة من فمها الأسنان
مزرقة كأنها ديدان
واللثة الحمراء زعفران
ذات شحوب راعب رهيب
كأنه لون من الذنوب
أو نفس من صدرها المكروب
وكانت الظلمة في أشجان
والريح كالمبرد في الأبدان
والليل فيها كضمير الجاني
ولم يكد من حلمه يفيق
حتى اعتراه خدر عميق
وجن في دماغه العروق
فأبصر المريضة المحتضره
مسدولة الذوائب المبعثره
جنية هائمة في مقبره •••
وحل في أهدابه تابوت
في قلبه صبية تموت
تموت في غيبوبة وسكره
لها من العمر ثماني عشره
وعندما أفاق من رؤياه
وحدقت إلى الدجى عيناه
رأى نياما كل من في الدار
إلا عيون الهر ذات النار
أمن العدل خالق الأرواح
أن يغيب الجمال قبل الصباح؟
أمن العدل أن يرى القلب عطشا
ن، وخمر القلوب في الأقداح؟
أمن العدل أن تجول عيون
في ظلام والزيت في المصباح؟
إن تكن تحرم الطيور سماها
فلماذا خلقت ريش الجناح؟ •••
وتناءت عيناه في الشفق الأخضر
