Gayetü'l-Hayat
غاية الحياة
غاية الحياة
غاية الحياةتأليف
مي زيادة
غاية الحياةأيتها السيدات
موضوعنا اليوم «غاية الحياة»، ولا أعرف كلمة خطيرة كهذه وأكثر تفلتا من حدود التعريف، إن لفظة «الحياة» في معناها التام تشمل الكون بأسره مما يرى وما لا يرى، وهي ذلك التيار الخفي النافذ في كل شيء، المحيط بكل كائن، وقد حوى من الاقتدار والجبروت ما ألقى في روعنا أنه من روح الله، كأننا نحسب الحياة نسمات نور وإنعاش منطلقة من صدر تلك القوة الكبرى التي نسبح جميعا في بحار جودها، ونسميها: «الله».
فإذا شمل معنى الحياة جميع الموجودات فأنى لنا تعيين غايتها؟ من ذا الذي يجرؤ على تعيين غاية الفلك في دورته، والنجوم في سيرها، والمذنبات في تكونها، والشموس في تشععها واحتراقها، والنيازك في تساقطها على الأرض حجارا سوداء؟ من ذا الذي استشف من البحار غاية المد والجزر، ومن القمر غاية الاكتمال والانتقاص، ومن النوع البشري غاية مدنياته وأديانه وأنظمته، وكل ما يتقلب عليه من الأطوار؟ كيف نتحرى غاية الربيع بحلوله بعد الشتاء، فيتبعه الصيف المتلظي الذي لا يلبث أن يزول أمام الخريف الحزين؟ وما غاية الغصن في تمايله وتجرده وإيراقه، وغاية البذور في النمو والإنتاج والذبول؟ نحن نعرف بعض الأسباب الطبيعية في الخليقة وما يترتب عليها من النتائج، ولكن لماذا تعمل تلك الأسباب، وما غاية هذه النتائج، وإلى أين يقودنا هذا الوجود وهذا الفناء؟ لغز رائع لا يحله الإنسان مهما ارتقى علما وفضلا وإخلاصا.
والإنسان الذي هو جزء من هذا الوجود غير المدرك، أكثر ما يستعمل كلمة «حياة» ليعني كمية أيامه على الأرض ومجموع أعماله، وكمية أيام كائنات أحاطت به وقد امتاز عنها جميعا بما أوتي من إدراك وإرادة وحرية. فالجماد مثلا لا يتحرك إلا مرغما بفعل العناصر؛ كالأعاصير والرياح تقتلع الصخور، والأمطار تنحتها وتفتتها، أو بعامل آلي كالديناميت يدمر الآكام ويصعق الراسيات. والنبات، وإن تحرك مع النسيم ونشر شذاه في الهواء وكان له إحساسه الخاص كبعض النباتات التي تنكمش إذا ما لمست، إلا أن أصوله تظل أسيرة أرض تغذيها. والحيوان ينتقل من مكان إلى مكان بدافع الرغبة وبإيعاز الإدراك الذي لديه منه كمية ما. ولكن للإنسان وحده قوة التمييز والمقارنة والاستنتاج والإبداع في أتم أنواعها الممكنة. له وحده حرية الانتقال من جهة إلى جهة، والتفكير فيما شاء، وتنفيذ ما أراد. له وحده أن يتصرف بالموجودات التي يعقلها ويعالجها ويستخدمها لحاجته، وهي تعنو له صاغرة؛ لأنها لا تعقله وتبقى دونه مهارة ومقاومة، وإن جمحت يوما وفتكت به ساعة غضب عنجهي، فتلك طوارئ عاديات، كالصواعق والفيضان والطوفان والأوبئة التي لا تدوم غير وقت ما، ولسرعان ما يهب لمقاتلتها واختراع ما يمكنه منها ويقيه شرها. ولئن خنعت الموجودات إلى النظام الكلي الذي يسيرها قهرا فعاشت عيشتها الصخرية العشبية البهيمية وأدت وظيفتها المعينة جاهلة صاغرة، فإن الإنسان - وفي ذلك ميزته وفخره - لا يكتفي بتلك العيشة الابتدائية العنصرية ولا يعيشها مرغما بل سعيدا، مدبرا، مختارا، وهو فوق ذلك يخلق لنفسه غايات قومية وسياسية وفكرية وقلبية جمة، تتسابق إلى تحقيق غاية قصوى يوجه نحوها مجهوداته، ويجمع أعماله في شبه قناة حيوية تنتهي إلى تلك الغاية البعيدة، تلك الغاية المحبوبة التي يخالها تناديه وقد اتخذها كعبة آماله.
