Hakâiku'l-îmân
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي شرح صدورنا للاسلام، وتفضل علينا بحسن الإعلام لمزيد الاكرام، فنور قلوبنا بمعرفته وثبتها (1) على الإيمان، وصلى الله على نبيه المبعوث لبيان البلاغ وبلاغ البيان: (2) بأبلغ برهان وعلى آله المنتجبين، وحفظة الشرع المبين، الذين أتم الله علينا بهم النعمة، وأكمل لنا بهم الدين، فصدقنا وأقررنا، ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين.
وبعد: فإني لما رأيت الأقوال في حقيقة الإيمان مع الاتفاق على حقيقة متكثرة والأدلة على ذلك في كتب الأصول منتشرة، وأكثرها لا يروي الغليل ولا يشفي العليل، ولا يجدي منها إلا القليل.
أحببت أن أجمع منها جملة كافية مع إضافة بعض ما يتبع ذلك، ليسهل على الناظر تناولها، ويستغني بما نذكره في بيان آيات بيناتها (3) عن تأولها.
وذكرت في خلال ذلك ما ينبغي إيراده سؤالا وجوابا، ليكثر بذلك نفعها،
وينتقش على صحيفة النفس وقعها.
راجيا من الله تعالى أن ينفع بها من نظر، ويؤجر من عثر على عثرة فصبر وغفر، سائلا منه حسن الاملاء، عائذا به من الاستدراج والاملاء. ورتبتها على مقدمة ومقالات وخاتمة، أما:
المقدمة في تعريف الإيمان لغة وشرعا فاعلم أن الإيمان لغة: التصديق، كما نص عليه أهلها (1)، وهو إفعال من الأمن، بمعنى سكون النفس واطمئنانها لعدم ما يوجب الخوف لها، وحينئذ فكان حقيقة " آمن به " سكنت نفسه إليه واطمأنت بسبب قبول قوله وامتثال أمره، فتكون الباء للسبية.
ويحتمل أن يكون بمعنى أمنه التكذيب والمخالفة، كما ذكره بعضهم، فتكون الباء فيه زائدة. والأول أولى، كما لا يخفى، وأفق لمعنى التصديق.
وهو يتعدى باللام، كقوله تعالى " وما أنت بمؤمن لنا (2) " " فآمن له لوط (3) " وبالباء كقوله تعالى " آمنا بما أنزلت (4) ".
وأما التصديق: فقد قيل إنه القبول والاذعان بالقلب، كما ذكره أهل الميزان.
ويمكن أن يقال: معناه قبول الخبر أعم من أن يكون بالجنان أو باللسان، ويدل عليه قوله تعالى " قالت الأعراب آمنا (5) ".
فأخبروا عن أنفسهم بالإيمان وهم من أهل اللسان، مع أن الواقع منهم هو الاعتراف باللسان دون الجنان، لنفيه عنهم بقوله تعالى " قل لم تؤمنوا ".
وإثبات الاعتراف بقوله تعالى " ولكن قولوا أسلمنا " الدال على كونه إقرارا بالشهادتين، وقد سموه إيمانا بحسب عرفهم، والذي نفاه الله عنهم إنما هو الإيمان في عرف الشرع.
إن قلت: يحتمل أن يكون ما أدعوه من الإيمان هو الشرعي، حيث سمعوا أن الشارع كلفهم بالإيمان، فيكون المنفي عنهم هو ما ادعوا ثبوته لهم، فلم يبق في الآية دلالة على أنهم أرادوا اللغوي.
قلت: الظاهر أنه في ذلك الوقت لم تكن الحقائق الشرعية متقررة عندهم، لبعدهم عن مدارك الشرعيات، فلا يكون المخبر عنه إلا ما يسمونه إيمانا عندهم، وقوله تعالى " آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم (1) " وقوله تعالى " ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (2) ".
