Ana içeriğe geç
İslam Arşivi الأرشيف الإسلامي İslam Arşivi

İslam Arşivi artık mobilde

Binlerce kaynağa her an, her yerden ulaşın.
Web sitemizde bulunmayan özellikleri uygulamada keşfedin.
iOS ve Android uygulamalarımız şimdi yayında!

Güvenli • Hızlı • Ücretsiz

Hayatu'l-fikr fi'l-alemi'l-cedid

حياة الفكر في العالم الجديد
Zeki Necib Mahmud
۩
حياة الفكر في العالم الجديد
زكي نجيب محمود
Deneme & Fikir
حياة الفكر في العالم الجديد

تأليف

زكي نجيب محمود

مقدمة

جاء المهاجرون إلى العالم الجديد من شتى الأمم في الدنيا القديمة، فجاءوا مزيجا من ثقافات مختلفة، ولبثوا أمدا طويلا على اتصال وثيق بأصولهم الأولى، حتى لقد ظلت تيارات الفكر الأوروبي المختلفة تنساب إلى العالم الجديد غداة ظهورها، فكل صوت يرتفع في أوروبا كان له صداه في أمريكا، ولم ير الأمريكيون في ذلك - أول الأمر - غضاضة؛ لأنه إن كانت مقتضيات العقيدة الدينية قد حملتهم على الهجرة عن بلادهم الأولى، وإن كانت مصالح الاقتصاد بعد ذلك قد أوجبت أن تحدد الهجرة، وأن تقام الحواجز في عالم التجارة، فماذا يمنع أن تشترك الفروع مع أصولها في الفكر، وأن تتبادل معها الرأي والنظر؟ لهذا ظلت أبواب العالم الجديد مفتوحة على مصاريعها، تتقبل من ألوان التفكير كل ما تهتز به أوروبا، على اختلاف مصادره وتعدد مذاهبه.

لكن المجتمع الجديد سرعان ما تميز بطابع جديد، ثم ما لبث هذا الطابع أن أصبح معيارا تقاس عليه الواردات الفكرية، فيقبل منها ما يقبل، ويرفض ما يرفض، ويعدل ما يراد قوله بعد تعديل، وأما هذا الطابع الجديد المميز للمجتمع الأمريكي فهو - في اعتقادي - تلك «الفردية الجماعية»، التي لا تغرق الفرد من الناس في خضم المجتمع، بل تحتفظ لكل إنسان بفرديته المستقلة على الرغم من اشتراكه مع الآخرين في جماعة واحدة يربطها الصالح المشترك، وإذن فهي جماعة أقرب إلى الشركة التعاونية التي يحرص كل عضو فيها على استقلال شخصيته، وإن يكن في الوقت نفسه حريصا أشد الحرص على ازدهار الشركة ونمائها، هي أقرب إلى ذلك منها إلى الكائن العضوي الذي لا يجعل للعضو فيه وجودا إلا بانطوائه تحت الكل الذي يحتويه، فالمجتمع الأمريكي في صميمه «كثرة» من أفراد لا جسم واحد ذو أعضاء، غير أن تلك «الكثرة» ليست أشتاتا موزعة الأهواء متباينة النزعات، بل هي كثرة تلتقي حباتها في عقد واحد يضمها دون أن تضيع فردية الحبة الواحدة بهذا الالتقاء.

على هذا الأساس يتم قبول الأفكار أو رفضها أو تعديلها؛ فالفصل الأول من هذا الكتاب فيه تصوير للفكر الأمريكي إبان العشرات الأخيرة من أعوام القرن الثامن عشر، فكان الفكر حينئذ سياسيا في معظمه، يدور حول حقوق الأفراد الطبيعية التي على أساسها أقيمت السياسة، وأقيم الحكم، وأقيمت الحياة، بل على أساسها أقيمت العقائد الدينية نفسها؛ إذ كانت الكثرة الغالبة من الأمريكيين من «البروتستانت المتزمتين» (البيورتان)، وهؤلاء يعلون من شأن إرادة الفرد إعلاء يحفظ له حقوقه في أن يلتمس لنفسه طريق النجاة الروحية، وحقوقه في أن يفكر حرا، ويعمل حرا، وأن يحتفظ بثمرة عمله. وهكذا جاءت فلسفة عصر التنوير مؤيدة لهذه المبادئ، إذ جعلت أساس المجتمع تعاقدا بين أعضائه، ولكل فرد حقوقه الطبيعية في الحياة، وفي الحرية، وفي التماس العيش السعيد، وهي حقوق فطرية لم يهبها أحد أحدا.