Ana içeriğe geç
İslam Arşivi الأرشيف الإسلامي İslam Arşivi

İslam Arşivi artık mobilde

Binlerce kaynağa her an, her yerden ulaşın.
Web sitemizde bulunmayan özellikleri uygulamada keşfedin.
iOS ve Android uygulamalarımız şimdi yayında!

Güvenli • Hızlı • Ücretsiz

Haza'l-Asr ve Sekafetuhu

هذا العصر وثقافته
Zeki Necib Mahmud
۩
هذا العصر وثقافته
زكي نجيب محمود
Deneme & Fikir
هذا العصر وثقافته

تأليف

زكي نجيب محمود

هذا العصر وثقافته

الجمع بين الأصالة والمعاصرة مشكلة، بل لعلها تكون أعسر المشكلات الثقافية، وأشدها تعقيدا بالنسبة للبلاد الناهضة - ونحن منها - ولكنها مشكلة غير واردة في البلاد المتقدمة؛ فلا تجد في فرنسا - مثلا - أو في إنجلترا سؤالا مطروحا أمام المفكرين يسألهم: كيف تكون سبيل الناس إلى مركب ثقافي، يجمع بين العناصر الأصيلة من جهة، وخصائص العصر من جهة أخرى، بل لا تكاد تقع عند القوم هناك على علامة واحدة، تدل على قلق يساورهم بالنسبة إلى تراثهم القديم، على حين أن مشكلة المشكلات الفكرية عندنا اليوم، هي هذه:

كيف أصون تراثي ليبقى هذا التراث في حياتي الحاضرة كائنا حيا، لا مجرد أثر من آثار المتاحف؟ ثم كيف يتفاعل هذا التراث نفسه مع مقومات هذا العصر، تفاعلا يجعلني أحيا الجانبين معا، بغير تكلف ولا تصنع ولا ادعاء، فأظل عربيا كما كنت دائما، وأكسب صفة المسايرة لعصري حتى لا أتخلف، فيصيبني الركود فالجمود فالموت؟ وليس الأمر في هذا مقتصرا علينا - نحن الأمة العربية - وحدنا، بل هو إشكال يتحدى رجال الفكر في جميع البلاد الناهضة كما ذكرت، ولقد حدث لنا منذ نحو ثمانية أعوام، أن تلقينا دعوة من جماعة من أرباب الثقافة في لاهور بباكستان، وجهت دعوتها إلى أكبر عدد ممكن من البلاد النامية - كما يسمونها - وكان كاتب هذه السطور أحد ثلاثة، ذهبوا موفدين من مصر لتمثيلها في تلك الندوة الفكرية، وكان الموضوع الرئيسي المطروح للبحث، هو هذا السؤال نفسه: كيف يتاح لهذه الأمم الناهضة أن تقبل مقومات العصر مع المحافظة على تراثها؟ ما هي أفضل صيغة يجتمع بها العنصران في بلد ما، دون أن يطغى منهما عنصر على عنصر آخر فيمحوه؟ إننا لنشاهد بالفعل بلادا انمحت ملامحها الأصيلة، فلم يبق لها إلا جانب الثقافة الوافدة، دون أن تكون هذه الثقافة الوافدة متصلة بطبعها الأصيل، فلا هي عدت بهذا الانصهار بين البلاد المتقدمة، ولا هي استبقت لنفسها طبيعتها؛ لتنعم بطمأنينة النفس على أقل تقدير.

أعود فأقول إن هذه الأزمة الفكرية لا يتأزم بها بلد من البلاد المتقدمة، وتعليل ذلك واضح وبسيط؛ فالحضارة العلمية الجديدة وليدة تلك البلاد، انبثقت من عقول رجالها وقلوبهم، وبالتالي فقد جاءتهم موصولة بماضيهم صلة طبيعية، حتى لتستطيع أن تتعقب هذا الحاضر إلى الوراء خطوة خطوة، من خطوات التاريخ الذي سارت به تلك البلاد المتقدمة حياتها، فإذا تسلسل الحلقات أمام عينيك واضح، لا يدعوك إلى قلق أو تساؤل! تستطيع أن تسير بادئا من أينشتين وزمرته من أصحاب الفيزياء النووية الجديدة، وقافلا إلى الوراء خطوة خطوة، فإذا أنت مع نيوتن وغيره، أو أن تسير - في دنيا الفنون التشكيلية - بادئا من بيكاسو وقافلا إلى الوراء، فإذا أنت مع رجال الفن في عصر النهضة الأوروبية، وقل هذا في كل شعاب الحياة العلمية والفنية، بل قله كذلك في كل ميادين الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي بصفة عامة، وذلك رغم التفاوت البعيد بين ما كان قائما في الماضي، وما قد أصبح عليه الأمر في الحاضر، لكنه تفاوت كالذي يكون بين الطفل والرجل، يمكنك تعقب العناصر التي هي قوام الرجل الآن، فإذا أنت بعد التحليل أمام الطفل الذي كان، وإزاء هذا النمو الطبيعي لا ينهض أمام الناس إشكال خاص بالتراث، ولا سؤال عما يجب عمله للجمع بين ما هو تراث وما هو معاصر.