Haze't-tac
تأليف
واصف البارودي
مقدمة الكتابنحن الأساطير والتاريخ حكايةلست من الذين تهون في نظرهم وتصغر في نفوسهم كلما تقدمت بهم الحياة أهمية تلك الحكايات، حكايات العجائز؛ وهي كانت تغذي نفوسنا، وتساعد في نمو شعورنا وتفكيرنا في الصغر، ولست من أولئك الذين يستخفون بالأساطير ويهزءون بها، والواقع يثبت أننا لا نزال نحيا في أجوائها، وسنظل ما دمنا نجهل الكثير من حقائق هذا الوجود، وما دمنا نخشى مواجهة الحياة في حقيقة واقعها، وفي اكتناه أسرارها، واكتشاف الخفايا في زوايا التكوين.
فتلك الحكايات - حكايات العجائز - إنما هي وديعة الأجيال، تحملهن إياها الحياة أمانة إلى النشء النامي في صغره؛ ليتمتع بها أولا ويسر، ثم لتتبلور مغازيها في نفوس أولئك الأبناء الأحباء مع تطورهم ونموهم، حكما خالدة تندمج في كيانات أفئدة الشباب، فتهز قلوبهم، وتسير سلوكهم، وتهيئ رشد الكهولة في الأفراد وفي الأمم.
وما الأساطير سوى تعبير دقيق مغلف عن حقائق الوجود، وعن تطورات الحياة وأحوالها، وعن تصور الإنسان لتلك الحقائق والتطورات، وعن تفهمه لبواعثها ولما ترمي إليه بأسلوب رمزي خاص، تداركت به اللغة عجزها عن التعبير عنها بأسلوب واضح صريح.
ففي هذه الأساطير وفي تلك الحكايات أعمق ما في معاني الحياة من فلسفة وتفكير وحكمة، وأبلغ ما في اللغة المعبرة عن تلك المعاني من أدب وتعبير، فهي متعة الصغار والكبار معا، مهما اختلفت درجات التفكير وميادين التأمل، ومهما تنوع التأثير، فإذا كانت تؤثر في الصغار كنوع من السلوى، تجتذبهم وتستهويهم، فإنها كثيرا وكثيرا جدا ما تدعو الكبار، ولا سيما الواعين المثقفين إلى كثير من التأمل الهادئ والتفكير العميق في وحدة الحياة، على تعدد ظواهرها، وتنوع مراميها، وتبدل مظاهرها!
فهي الحياة، تدرك النفس أسرارها بفاعلية خبرتها الذاتية بشكل أشد وأعمق مما قد تمنحها إياها العلوم وكتبها، وهذه لا تزيد عن أن تكون محتويات، تستمد النفس منها غذاء لفاعليتها وقوة، كما يستمد الجسم غذاءه وقوته من الأطعمة والأشربة والعلاج، وأروع تعبير عن فاعلية الخبرة في الشعوب إنما تجده في تلك الأساطير وهذه الحكايات، فلا جرم إذا عادت الشعوب إليها كلما زحمتهم الحياة؛ لأنها إرث تكمن فيه عناصر الانبعاث وبواعث انبثاق ما هو إنساني من القيم التي يتميز بها الإنسان.
فإذا وجدت في حكايات العجائز وسيلة من أقوى وسائل التعبير عن أسرار الحياة؛ فلأنني أعتبرها أبسط سلك موصل، تبلغ به الحقائق أعماق الأفئدة دون جدل ولا تعقيد، ولعل اعتماد الحضارة على القصة كتعبير في الآداب الرفيعة مستمد من هذا الواقع الحيوي في تكامل الثقافة والحياة.
