Hazihi'l-Lu'be
تأليف
ثروت أباظة
هذه اللعبةعادت ناهد إلى البيت فرحة غاية الفرح، يصفق قلبها سرورا. وراحت تبحث عن أمها في غرف البيت جميعا، حتى إذا لم تجدها، نبتت في نفسها غصة صغيرة سرعان ما طغت على فرحها. وراحت تلجأ إلى التليفون ولم تجد أقرب إليها من صديقتها ليلى؛ لتخبرها بهذا الفرح الذي يملأ نفسها. وأدارت القرص التليفون، وسرعان ما جاء صوت قاتم من الطرف الآخر، عاجلته قائلة: ليلى موجودة؟ - موجودة.
وترك الصوت التليفون وجاء صوت ليلى قاتما هو الآخر، ولكن ناهد سارعت قائلة: هيه يا ليلى. - هيه يا ناهد. - هل نجحت؟ - لا. - لم تنجحي!
وخفتت الفرحة في نفس ناهد، ولم تستطع أن تخبرها أنها هي نجحت، وإنما كل ما فعلته أن قالت في صوت شاحب: لا عليك. سأمر عليك.
ووضعت السماعة وعادت تفكر فيما يمكن أن تفعله. وضاقت بالبقاء في حجرة مغلقة، فقامت إلى الشباك ففتحته. إنه هناك، ذلك الفتى في البيت المقابل الذي لا يكف عنها، فلا تجدي معه كل هذه القسوة التي تعامله بها. ونظر إليها وابتسم، فأقفلت الشباك وعادت إلى الانتظار مرة أخرى، حائرة بفرحتها. جلست إلى مكتب زوج أمها؛ فهو مكان لا تستطيع الجلوس فيه إن كانت أمها أو زوج أمها بالبيت. وراحت تفتح الأدراج وكأنها تقوم بمقامرة تريد بها أن تفتح المنافذ لفرحتها الحبيسة. وفجأة التقت بمسدس ملقى في الدرج، ونظرت إليه طويلا، وكأنها لا تصدق أن هذه الآلة الصغيرة تقتل وتقطع حياة إنسان ضخم يملأ الحياة، ويروح ويجيء ويتكلم، وقد يكون ذا سلطان فهو يتحكم في نفوس البشر، فهذا يعيش وهذا لا يجد العيش. نظرت إلى المسدس الصغير؛ كيف تستطيع هذه الآلة الصغيرة التي تشبه اللعبة، بل هي أدنى إلى فكرة اللعب، أن تجتث حياة إنسان من بين أهله وذويه؟! وكيف تقضي عليه حتى وإن كان جبارا ذا سطوة ونفوذ وسلطان؟ كزوج أمها مثلا، ذلك الذي يسيطر عليها في عنف وبأس وجبروت، والذي رأت موظفيه في الشركة وهم يرجفون من ذكر اسمه رجفة تتضاءل أمام هولها رجفة العابد المؤمن العميق الإيمان إن ذكر أمامه اسم الله أو اسم الشيطان. بمسدس كهذا، نعم كهذا. بل برصاصة منه صغيرة دقيقة أهون في سمكها من سمك هذه الفتحة في مقدمة المسدس، حتى ولو كان زوج أمها. وسارعت تقفل الدرج وعادت إلى فرحتها وإلى حيرتها بهذه الفرحة. وفجأة طغى تفكيرها على ضجيج فرحها؛ من تنتظر؟ أتنتظر زوج أمها الشرعي؟ وماذا سيفعل؟ قد يتفضل فيخرج كلمة مبروك، وكأنه يفرج حنجرته عن دمية ميتة لا تحمل معنى. وقد لا يقول شيئا إلا أن يموء، أما أمها فقد تفرح حقا، ولكن ماذا تراها فاعلة أمام زوجها الباطش الجبار؟ قد تضحك وقد تقول مبروك يا حبيبتي، ثم تمسك بعنان عواطفها في عنف؛ فقد أمرها زوجها ألا تدلل ابنتها وهي له مطيعة. ماذا ترجو إذن ناهد لفرحتها؟ لا شيء؛ فقد عاشت في ظل زوج أمها لا تجد لفرحتها عند أمها أو زوجها مكانا، أو تجد لحزنها عند أي منهما يدا آسية أو قلبا عاطفا، كالزهرة البرية التي تشق طريقها في الجو وحيدة فريدة، لا من يؤنس ولا من يتعهد. إنها ما تزال تذكر أباها ولكن ماذا تفيد الذكريات مع الواقع الأليم، إلا أن تزيد الألم قسوة وعنفا. فكم كانت ترجو أن تنسى حنان أبيها حتى لا تستهول قسوة زوج أمها! فلو كانت لم تر الحنان لما عرفته ولما احتاجت إليه، ولحسبت أن الدنيا كل الدنيا ليس فيها آلام تشقى بها من صلف وترفع وتأنيب وخشونة. ولو كانت تجد أباها لاستطاعت أن تقول نجحت، ولاستطاعت قبل ذلك أن تقول له الكثير الذي لم تستطع أن تقوله لأحد، ولاستطاعت من بعد أن تقول الكثير الذي تعرف أنها تحتاج أن تقوله، ولكن لمن تقول؟ ألا بد لها أن تقول؟
