Hidâyetü'r-râgibîn ilâ mezhebi'l-itreti't-tâhirîn
مقدمة المؤلف
اللهم وفق وسدد وأرشد يا كريم وصلى الله على محمد وآله:
الحمد لله الذي أيد علوم العترة النبوية بأئمتها، واقتاد الأفهام إلى رياضها العلوية بأزمتها، وهدى ذوي المعارف لاستخراج فرائد أكنتها، وراض بأفكارهم جوامح فوائدها في أعنتها، نحمده أن جعل أئمة العترة أطواد الإيمان، وأسباب الأمان، قرن بهم القرآن، فهم والكتاب الثقلان، ونظمهم في سلك الفرقان، فظهر فضلهم على الناس وبان، أنوار أقمار علومهم أقمار سماء العرفان، وأطواد حلومهم أوتاد الأرض من الميدان، هم عرى الحق المشبهون يوم الطوفان بالسفينة، أبناء باب المدينة، وأسباط فاطمة الأمينة، هم أساس الدين وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة.
أخذوا الكلمة عن آبائهم، وتوارثوا الرواية بأبنائهم، فإسنادهم سلاسل الذهب، وكلامهم قواعد المذهب، متصل علم أولهم بآخرهم، ذلك أدنى فضائلهم ومفاخرهم. الطويل
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم.... بهن فلول من قراع الكتائب
جمعوا بين فضيلتي العلم والجهاد، وألفوا في المحاسن بين الأشتات والأضداد، إذا تأمل علومهم المتأمل وفكر في فنونهم المفكر، لم يعترضه الشك في أنها علوم من قصر نفسه على التصنيف دهره، وأنه كلام من لا حظ له في غير التأليف عمره، ولا يكاد يوقن بأنها علوم من ينغمس في الحرب إذا حمي الوطيس، وكلام من شخصه للرماح يوم الكفاح مغناطيس، يلبس أحدهم لامة حربه وهو يلقي مسائل التدريس، ويركب جواده لقتال أعدائه وهو يفتي أعجب من فتاوي محمد بن إدريس. المنسرح
قوم بلوغ الغلام عندهم.... طعن نحور الكماة لا الحلم
إن ركبوا الخيل غير مسرجة.... فإن أفخاذهم لها حزم
فإن هدأوا وأمد الليل رواقه، ولبس جيده أطواقه؛ رتلوا القرآن في الصلوات، وأسبلوا على الخدود واكف العبرات، وواصلوا بين الركوع والسجود، ووصلوا صلاة الصبح بالعشاء والناس هجود، شنشنة توارثوها كابرا عن كابر، وحلية أورثوها عن أسرة في الفضل ومنابر.
وتراهم إذا رقصت المعضلات أرباب الدراية، ورنحت المشكلات أطواد الهداية، يصدرون أجوبتها غضة طرية، تارة مما نقحته الفكرة النبوية، ومرة مما خزنته الحافظة النبوية؛ فجواباتهم في النظريات مطبقة لمفاصل الصواب، وفي النقليات مؤيدة بالسنة والكتاب.
وموضع التعجب من سعة علومهم مع سعة أعاديهم، وبقاء مذهبهم على كثرة معاديهم، وما زالت الأموية والعباسية والنواصب من الحشوية والنوابت من البكرية جادين في محو منارهم، ومجتهدين في طمس آثارهم.
ثم إن من عرف محنتهم ومجهول منتهم، أن يقوم الداعي منهم إلى كتاب الله تعالى كالهادي والمنصور، وأمثالهما من أئمة تلك العصور، قد جمع شرائط الإمامة المعتبرة شرعا، وكملت فيه أوصافها أصلا وفرعا، فتصم الأمة عن استماع دعوته، فيكون السبب لأكثرهم في عداوته، ما دعا قائمهم أهل زمانهم إلا حدجوه بأعيانهم، ورفضوه بإمكانهم، وجعلوا أصابعهم في آذانهم، وليتهم إذ لم يجيبوا دعوته لم يمزقوا فروته، وإذ لم يقبلوا حجته لم يعملوا بمكائدهم مهجته، وقد أحسن قائلهم حين أحزنته مقالتهم: الخفيف
