Ana içeriğe geç
İslam Arşivi الأرشيف الإسلامي İslam Arşivi

İslam Arşivi artık mobilde

Binlerce kaynağa her an, her yerden ulaşın.
Web sitemizde bulunmayan özellikleri uygulamada keşfedin.
iOS ve Android uygulamalarımız şimdi yayında!

Güvenli • Hızlı • Ücretsiz

Hölderlin

هلدرلين
Abdülgaffar Mekkâvi
۩
هلدرلين
عبد الغفار مكاوي
Tarih & Biyografi
هلدرلين

تأليف

عبد الغفار مكاوي

الإهداء

إلى أستاذي الدكتور عبد الرحمن بدوي.

تحية التقدير، للرائد الكبير.

تمهيد

شعره صعب ...

وهو - كحياة صاحبه - يفيض بالألم والعذاب، وتحف به المخاطر والمتاعب والصعاب. هو كالطير الغريب الوحيد الذي يأتي من بلاد بعيدة ويسافر لبلاد مجهولة. وهو كالصوت الجليل المخيف الذي يعلن نبوءة الآلهة على لسان كاهن مذهول إلى إخوته من البشر الحيارى المذهولين. لكنه مع ذلك أو بسبب ذلك يلمس القلب ويهزه وينفذ إلى الأغوار. إنه ينقلك على الفور إلى الشاطئ البعيد، يبكيك شوقا إلى المثل العزيزة المستحيلة، يملؤك إحساسا بالبطولة والانكسار، بالنشوة والعذاب، بالانتصار والاستشهاد. ليس غريبا أن يسمى صاحبه «شاعر الشعر» و«شاعر الشعراء». وليس غريبا أن يتفق أهله وغير أهله على أنه من أعظم من أنشد الشعر في لغته وفي كل اللغات، ومن أعظم من تعذب به وجن بسببه. وكما تسكن جنيات البحر في الماء، سكن هذا الشاعر في نبع الشعر. لم يكتف بالشرب منه أو التطهر بمائه أو سقي الندامى والعطاش. بل سكن فيه طول حياته، حتى أصبحت الحياة عنده هي الشعر، والشعر هو الحياة.

لذلك كان الشعر بيته ولحده، نعمته ونقمته. كان قدره.

ذلك هو فريدريش هلدرلين (1770-1843م) الذي وهب الشعر كل شيء، فأعطاه كل شيء وأخذ منه كذلك كل شيء؛ أعطاه سره الخالص، وامتلك في مقابله كل حياته الواعية وغير الواعية، ثم هوى به في ليل الجنون الطويل فعاش نصف عمره الأخير في ظلامه. ولعله قد عرف أن الفن أشبه بإله أسطوري نهم للدماء، لا يرضى عن الضحية حتى يمتص آخر قطرة في عروقها؛ عندئذ يمنحها البركة ويلقي عليها وشاح الخلود. وقد أخلص هلدرلين لفنه وخشع في محرابه وقدم حياته قربانا له. وأحس بفطرته النقية الورعة أن شجرة العبقرية تمد جذورها في أرض التعاسة والعذاب والمأساة، فلم تنم شجرته الطيبة حتى دفع الثمن بأكمله؛ تجاهله عصره، وانكسر قلبه، وضاع في المتاهة التي لا يرجع منها أحد.

كانت نفسه الحيية الوديعة تطل من نظرات عينيه الطيبتين الشاردتين اللامعتين ببريق غريب، كما كانت تطل من قسمات وجهه الجميل الرقيق، وكآبته ووحدته وعجزه عن التعامل مع الناس، وإخفاقه المستمر في الحب والحياة. ولكن هذه النفس الوديعة كانت تطوي في أعماقها شاعرية تتأجج بالشوق إلى مثال عال يبدو كالقمة المختفية وراء الغيوم، وتسعى لبعث الحياة في شرايين عالم أسطوري جميل كان يزهو في الزمن القديم بالآلهة والقديسين والأبطال الخالدين. وكانت هذه الشاعرية تنبع من حياة باطنية تائهة في رؤية دينية وأسطورية عميقة، مستغرقة في تجربة كونية محيطة بالقوانين الأبدية المتحكمة في النشوء والتغير والوجود، مستسلمة للقوى الإلهية المسيطرة على القدر؛ القدر الذي شاء له الوحدة والعذاب والجنون، ومع ذلك استسلم له في خشوع وانكسار، وظل يحييه في كل أشعاره وينتظره ويبشر بموكبه الرائع.