Huyutu's-Sema
خيوط السماء
خيوط السماء
خيوط السماءتأليف
ثروت أباظة
خيوط السماءبكالوريوس التجارة! ثم ماذا؟ من أين له بعمل؟ مصر تعاني والحكومة لا تعين أحدا. فإذا فعلت فبمقدار، وهذا المقدار لا يناله إلا من يعرف صاحب نفوذ؛ صاحب نفوذ ...
إن أباه عامل التلغراف بمحطة الديميرية، وأقرب عزبة لمحطة الديميرية هي عزبة الباشا، وليصحب معه صديقه نديم؛ نديم ... لا بد أن نديم يعرف الباشا؛ فنديم من عائلة فيها أغنياء ولاسمها طنين لا تخطئه الأذن؛ نديم الطوبجي! أكان جده طوبجيا في جيش محمد علي؟ لا بد أنهم في العائلة يدعون هذا على الأقل فكل عائلة تحاول أن تجعل بينها وبين عائلة محمد علي صلة؛ أي صلة. حتى الشماشرجي لم تغير عائلته اسمها على ضآلة الوظيفة التي كان يشغلها جدها في عهد محمد علي، لقد كان مجرد خادم في حشم الوالي ومع ذلك يتشرف أحفاده بهذا العمل المهين! وأغلب الظن أن هذا الطوبجي كان خادما لأحد الضباط ورافقه في حرب من حروب إبراهيم، وعاد ليدعي أنه كان طوبجيا. يا عم! وأنا مالي، المهم أن أجد نديم وأجد والده على معرفة بهذا الباشا الذي يعمل أبي بجوار عزبته، إنه يعرفه لا شك، وقد ذكره لي في بعض أحاديثه. وعلى كل حال فإنني حتى إذا لم أسافر لأجعل أبي يتوسط لي عند الباشا فلا بد لي أن أسافر لأخبر أبي أني حصلت على الشهادة، وأحاول أن أقيم هناك بضعة أيام حتى يتأكد أبي أنني مفلس؛ فلو علم أن معي مالا لانقض عليه. هو لا يحب أن أقيم معهم ولا يحب أن يراني، وكذلك أنا، ولكن في هذه المرة لا بد مما ليس منه بد.
معذور أبوه فهو كلما رآه تذكر ما صنعته به أمه ... ويل له من أمه وأبيه معا! ولكن هذه قصة أخرى، فماذا علينا إذا رويناها؟ وهل أمتع من التسلية بأحاديث الناس وأخبارهم وأسرارهم؟
أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ...
ولكن القرآن ينهى عن كل المتع، والنبي كان يعرف هذا فليس عجيبا أن يقول إن الجنة حفت بالمكاره.
وعلى أية حال أتظنون أنكم ستعرفون عمن أحكي؟ ما هي إلا أسماء سميتها، فإذا أنت عرفتها وفككت عنها طلاسمها وامتد بك عقلك إلى حقيقتها؛ فالذنب عليك يقع فأنا لن أذكر أسماء، ولن أتحمل وزر النميمة. فإذا ساء منك الظن بالناس، ورحت أنت تحمل أسمائي ما لم أصرح به أنا فأنت وحدك المسئول.
وعلى كل حال فأنت تعرف أن هوايتي وحرفتي في الحياة أن أحكي، فإذا لم أحك فماذا أفعل؟ والحكاية في ذاتها لا تعترض عليها الأديان، فكل الكتب السماوية لها قصصها، وكل الكتب السماوية تتخذ من هذه الحكاية وسيلة لتضرب بها الأمثال لعلهم يعقلون.
