İbn Rüşd
تأليف
عباس محمود العقاد
الفصل الأول
عصر ابن رشد(1) الحركة العلمية
ولد ابن رشد في سنة 520 هجرية بمدينة قرطبة وهي لا تزال في عصرها الذهبي الذي جعلها من عواصم الثقافة في التاريخ، فلا تذكر أثينا وروما والإسكندرية وبغداد إلا ذكرت معهن قرطبة في هذا الطراز.
وقد كان مولده بعد وفاة الحكم الثاني المستنصر بالله بنحو مائة وخمسين سنة (366ه)، وهو الخليفة الأموي الذي شغلته الثقافة قبل كل شاغل، وجعل همه الأول أن ينافس بعاصمته عاصمة المشرق - بغداد - في عهد الخليفة المأمون، فجمع فيها من الكتب والكتاب ما لم يجمع قبل ذلك في مدينة واحدة، وكان هو أسبقهم إلى قراءة ما يجمعه من الأسفار النادرة من أقطار المشرق والمغرب.
قال ابن خلدون ما خلاصته: «... كان يبعث في شراء الكتب إلى الأقطار رجالا من التجار ويرسل إليهم الأموال لشرائها، حتى جلب منها إلى الأندلس ما لم يعهدوه، وبعث في كتاب الأغاني إلى مصنفه أبي الفرج الأصفهاني - وكان نسبه في بني أمية - وأرسل إليه فيه ألف دينار من الذهب العين، فبعث إليه بنسخة منه قبل أن يخرجه إلى العراق، وكذلك فعل مع القاضي الأبهري المالكي في شرحه لمختصر ابن عبد الحكم وأمثال ذلك، وجمع بداره الحذاق في صناعة النسخ والمهرة
في الضبط والإجادة في التجليد، فأوعى
من ذلك كله. واجتمعت بالأندلس خزائن من الكتب لم تكن لأحد من قبله ولا من بعده، إلا ما يذكر عن الناصر العباسي ابن المستضيء، ولم تزل هذه الكتب بقصر قرطبة إلى أن بيع أكثرها في حصار البربر ...»
وكان أعيان السراة
والتجار يقتدون بالخلفاء في هذا الإقبال على اقتناء الكتب، سواء منهم من يقرأ ومن لا يقرأ. قال الحضرمي: «أقمت مرة بقرطبة ولازمت سوق كتبها مدة أترقب فيه وقوع كتاب كان لي بطلبه اعتناء، إلى أن وقع وهو بخط فصيح وتفسير مليح، ففرحت به أشد الفرح، فجعلت أزيد في ثمنه فيرجع إلي المنادي بالزيادة علي، إلى أن بلغ فوق حده، فقلت له: يا هذا! أرني من يزيد في هذا الكتاب حتى بلغه إلى ما لا يساوي. قال: فأراني شخصا عليه لباس رئاسة، فدنوت منه وقلت له: أعز الله سيدنا الفقيه، إن كان لك غرض في هذا الكتاب تركته لك، فقد بلغت به الزيادة بيننا فوق حده ... فقال لي: لست بفقيه ولا أدري ما فيه، ولكني أقمت خزانة كتب واحتفلت فيها لأتجمل بها بين أعيان البلد، وبقي فيها موضع يسع هذا الكتاب، فلما رأيته حسن الخط جيد التجليد استحسنته ولم أبال بما أزيد فيه، والحمد لله على ما أنعم به من الرزق فهو كثير ...»
