İbn Teymiyye
تأليف
محمد يوسف موسى
افتتاحبسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
اللهم إنا نستمد بك المنحة، كما نستدفع بك المحنة، ونسألك العصمة، كما نستوهب منك الرحمة.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، ويسر لنا العمل كما علمتنا، وأوزعنا شكر ما آتيتنا، وانهج لنا سبيلا يهدي إليك، وافتح بيننا وبينك بابا نفد منه عليك. لك مقاليد السماوات والأرض، وأنت على كل شيء قدير.
وبعد، فهذا كتاب كلفت بكتابته عن علم من أعلام العرب والإسلام، وهو الإمام «ابن تيمية»، وقديما أعجبت بفقهه إعجابا شديدا، ورأيته أحد الأئمة الذين شاء الله أن يجدد بهم الإسلام، وأن يعز بهم دينه وشريعته، وأن يحفظ به وبأمثاله أمة العروبة والإسلام.
وقد جعلته على قسمين وخاتمة، وكل قسم ينتظم أبوابا ثلاثة. وعنيت في القسم الأول ببيان عصره من نواحيه المختلفة، وبالكلام على حياته الخصبة المباركة وجهاده، وبتجلية منهجه في البحث، مع ذكر تطبيقات له في العلوم المختلفة.
وفي القسم الثاني، عنيت بالكلام على آرائه في الدين والحياة؛ في الفقه وأصوله، وفي تفسير ما اضطلع به من كتاب الله، وفي الاجتماع وسياسة الحكم وأصوله التي يقوم عليها.
وأخيرا، أشرت إلى مكانته ومنزلته العلمية، وإلى خصومه وأنصاره - وما أكثرهم! - فيه. كما أشرت إلى مقدار ما نفيد من دراسته ومنهجه في الحياة، وإلى أثره فيمن بعده.
ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا من أمرنا رشدا، ومنك نستمد العون والتوفيق والسداد.
محمد يوسف موسى
روضة القاهرة في سنة 1381ه/1962م
القسم الأولعصره وحياته ومنهجه
الباب الأول
عصر ابن تيميةالبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه
كما يقول العليم الحكيم، ومن أصدق من الله قيلا! وللبيئة - كما للوراثة - أثرها الكبير في الإنسان إلا أن يشاء الله، سواء في ذلك البيئة الطبيعية والاجتماعية والسياسية. وقد تحكمت البيئة في حياة كثير من الناس ومصايرهم، وبخاصة الذين صبروا على ما فيها من عادات وتقاليد متأصلة، فلم يعملوا للخروج عنها مع ما قد يكون فيها من ضلال وفساد، ومنهم من كانوا يقولون كما حكى الله عنهم:
إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون .
ولم يخرج عن أحكام البيئات الضالة إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وكذلك المصلحون المجددون الذين ثاروا على ما توارثوه من عادات وتقاليد ليست من الحق في شيء، فعملوا على الوقوف دونها وتغييرها، وتحملوا صابرين راضين بما لقوا من اضطهاد وبلاء في هذه السبيل، ومنهم كان الإمام تقي الدين ابن تيمية، كما سنعرف في القسم الخاص بحياته وجهاده وكفاحه.
