Ana içeriğe geç
İslam Arşivi الأرشيف الإسلامي İslam Arşivi

İslam Arşivi artık mobilde

Binlerce kaynağa her an, her yerden ulaşın.
Web sitemizde bulunmayan özellikleri uygulamada keşfedin.
iOS ve Android uygulamalarımız şimdi yayında!

Güvenli • Hızlı • Ücretsiz

Ibnu Ammar

ابن عمار
Servet Ebaza
۩
ابن عمار
ثروت أباظة
Edebiyat & Roman
ابن عمار

تأليف

ثروت أباظة

عودة

أهكذا يعود! يا لها من آمال عراض تلك التي صحبها يوم ترك موقفه هذا منذ سنين! إنه لم ينس بعد تلك الأماني العذبة التي كانت تزحم نفسه يوم ضاق به العيش في بلدته «شلب» فنزح عنها وفي نفسه آمال، وفي قلبه أمان، وفي صدره عزم، وفي كل دمائه شعر. لقد ترك بلدته مهد ميلاده ومدرج طفولته ومغنى شبابه ليدور بشعره على الملوك يسترفد مالهم بما يرفده عليهم من شعره ولقد دار، ولقد مدح، فبالغ في المديح، ولقد كذب على الحق فأوغل في الكذب، ولقد أمات ضميره ليجعل الظالم منهم عادلا والمجنون فيهم حكيما، ولقد محا من ذاكرته كل ما يعرفه عن هؤلاء الملوك من شر، ولقد أنمى بشاعريته كل ما كان يعرفه عنهم من خير، ثم هو زاد عليه، ثم هو أنشأ لهم الخير، ثم هو قلب مقابحهم أفضالا ثم مدح ثم مد يده وثناها. ألا ما أبخس ثمن الضمير في رحاب الملوك! إنه ليفكر أنال كفء ما أعطى؟ أكانت تساوي هذه الدريهمات خروجه ودورانه وكذبه واختلاقه؟ بل أتعدل هذه الدريهمات أن يترك بلده الحبيب؟ إن يكن ضاق به فها هي ذي الدنيا جمعاء تضيق به، ولكن أضاقت الدنيا أو ضاقت «شلب» به هو أم إنها ضاقت ببضاعته؟ وكيف تضيق؟ إنه يبيع شعرا، إنه يهب لمادحه فكرا انتظم فصار شعرا، أهذا قليل؟! ما شأن ممدوحه إن خالج هذا الفكر شعور أو لم يخالجه؟ ألم ينظم شعرا؟ ألم يحسن ما نظم؟! فما هذه الدريهمات الضئيلة التي يصيبها؟! فأين هذا العدل الذي يزعمون وجوده في الدنيا؟! وأي دنيا تلك التي تجعل الشاعر العبقري يتمسح بأبواب الجهلة من الملوك والوزراء؟! يسكب عليهم شعره فلا يصيب منهم غير هاته الضحكة البلهاء التي تلتصق بشفاههم يحاولون بها إفهامه أنهم يفهمون ما يقول، ويحاولون بها أن يصدقوا هم في أنفسهم أن هذا المديح الذي يسمعون حق لا رياء فيه ولا كذب، ثم هو لا يصيب من بعد إلا هذه الدريهمات يلقونها إليه إلقاء! ولو تجسمت السعادة التي يحسونها بالمديح ولو وضعت مجسمة في كفة لما عادلها مال العالم أجمع، ولكنهم مع هذا يبخسونه حقه واهمين أن ما قاله لا يعدو الحق في شيء فهو لم يخلق جديدا، ولم يمت ضميرا، ولم ينشئ فضلا، ولم يقلب القبح حسنا، وهو لا يستحق إلا هذا القليل.

هكذا كان يفكر ابن عمار وهو واقف بأبواب «شلب» عائدا إليها من سفره هذا الطويل وقد تضاءلت آماله؛ فبعد أن كانت تهفو إلى الغنى والشهرة والجاه العريض، أصبحت تحوم حول حفنة من الغلال يقيم بها أود نفسه وأود حماره الذي أضناه السفر في تحقيق الآمال.

دخل ابن عمار «شلب» راكبا حماره الهزيل يفصله عن ظهره خرج قديم قذر كان هو كل ما يلبسه الحمار. أما هو، أما أبو بكر محمد بن عمار فقد كان يضع على نفسه بضعة أخلاق من الثياب إن اختل نظام واحدة منها وضحت من تحتها عظام الشاعر بارزة تكاد تطل من جسم صاحبها، وكان يضع على رأسه قلنسوة صغيرة يكاد شعره أن يلقي بها. دخل ابن عمار شلبا لا يقصد فيها إلى أحد فلقد ربى وشب في قرية من أعمالها، وإن كان قد تلقى علومه في شلب على «ابن الحجاج يوسف بن عيسى الأعلم» إلا أن أستاذه هذا قد مات ومات معه أغلب من كان يعرفهم ابن عمار من الأساتذة، والباقي منهم لا يجرؤ ابن عمار أن يقصد إليه ليطلب فجميعهم فقير، فلم يبق أمام ابن عمار إلا أن يكافح وحده ليرد جوع نفسه وجوع حماره الذي أضناه.