İhkâku'l-hak
، المطلب العاشر في أنا فاعلون (1)، اتفقت الإمامية والمعتزلة على أنا فاعلون، وادعوا الضرورة في ذلك، فإن كل عاقل لا يشك في الفرق بين الحركات الاختيارية والاضطرارية، وأن هذا الحكم مركوز في عقل كل عاقل، بل قلوب
وذهبت النجارية والاشاعرة الى أن تلك الأفعال صادرة عنه تعالى وليس لاحداثها علة سواه، نعم جعلوا للعبد الكسب، وهذا هو الفارق بين مقالتهم ومقالة الجهم.
ثم الاشاعرة اختلفوا بحيث اضطربوا في معنى الكسب، فذهب الشيخ أبو الحسن
الأشعري قدوتهم الذي اشتهروا به: الى أن معناه أن الله تعالى قد أجرى العادة بأن العبد متى اختار الطاعة أو المعصية فعلها الله تعالى فيه، وفعل فيه القدرة عليها، والعبد له الاختيار، وليس لتلك القدرة في ذلك أثر، بل القدرة والمقدور واقعان بقدرة الله تعالى. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب التمهيد: ان معناه كون ذات الفعل من الله تعالى وكونه معنونا بعنوان الطاعة أو المعصية أو غيرهما من العناوين من العبد، وذلك مناط التكليف وعليه يدور استحقاق الثواب والعقاب، وذلك كلطمه اليتيم فإنها تقع تأديبا وتقع ظلما، فذات اللطمة منه تعالى وكونه تأديبا أو ظلما من العبد.
وقال بعضهم: ان الاعتقاد بالكسب في أفعال العباد لازم، ولكن حقيقته غير معلومة لنا الى غير ذلك من التفاسير التي ترى في كلمات الاشاعرة، وهي في غاية الاضطراب والتشتت، واكتفى بعضهم في تقريبه وتفسيره بإيراد الامثلة وزاد عيا على عي.
ثم ان من القائلين بالتشريك بين القدرتين في صدور الأفعال الشيخ أبو إسحاق الأسفراييني، فيحكى عنه أنه ذهب الى أن الفعل واقع بقدرته تعالى وقدرة العبد معا. والحق الحقيق بالقبول الذي تساعده الأدلة العقلية والحجج السمعية ما ذهب اليه أصحابنا من الأمر بين الأمرين كما سبق شرحه «ج 1 من ص 406 الى 422» وسيأتي في محله إن شاء الله تعالى.
قال الشريف الآية الباهرة السيد محمد الباقر الطباطبائى الحائرى في منظومته (مصباح الظلام ص 20):
ومن يضم قدرة الله انى قدرته أنقص ما قد كملا
الأطفال والمجانين، فان الطفل لو ضربه غيره بآجرة (1) تؤلمه، فانه يذم الرامي دون تلك الآجرة، ولو لا علمه الضروري بكون الرامي فاعلا دون الآجرة لما استحسن ذم الرامي دون الآجرة، بل هو حاصل في البهائم، قال أبو الهذيل (2) حمار بشر أعقل من بشر، لأن حمار بشر إذا أتيت به إلي جدول كبير، فضربته لم يطاوع على العبور، وإن أتيت به إلى جدول صغير جازه، لأنه فرق بين ما يقدر عليه وبين ما لا يقدر عليه، وبشر لم يفرق بينهما، فحماره أعقل منه، وخالفت الأشاعرة في ذلك، وذهبوا إلى أن لا مؤثر إلا الله، فلزمهم من ذلك محالات «انتهى».
