İsbâtü nübüvveti'n-nebî
الحمد لله ذي الفضل والإحسان، المخول من شاء من عباده سوابغ الأنعام، الذي هدانا لدينه، وأوضح سواء السبيل، بما نصب من أدلته الباهرة، وحجته القاهرة، { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم (42) } الأنفال.
ثم أرسل إلينا خير مولود، وأكرم مبعوث، رحمة للعالمين، وهدى للمتقين، { لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين (70) } يس، فصلى الله عليه وعلى آله الطاهرين.
وإني لما رأيت غثاء الملحدة ورعاعها، مجتهدة لإدخال الشبه في معجزات نبينا صلى الله عليه وآله وسلم على أنفسنا، وعلى من قادته يد الشقاء، وسلكت به خبط العشواء، من جهال العوام وأوباشها، فهم عن الحق اليقين معرضون، وعن الصراط السوي ناكبون. قد استهواهم الشيطان، واستزلهم الطغيان { نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون (19) } الحشر. يظنون بجهلهم وعماهم أنهم قد فطنوا لما جهله العلماء، واستدركوا ما فات أهل الدين، وتنبهوا عما غبي عنه فضلاء المسلمين.
كلا، بل هم صم عن الحق لا يسمعون، وبكم عند المحاج لا ينطقون، وعمي عن الرشاد لا يبصرون، { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) } المطففين.
الباطنيةفإن أرذلهم طبقة، وأخسهم (¬1) طريقة، وأقلهم شبهة، وأعتاهم على الله عز وجل وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأعداهم للمسلمين، وأحرصهم على التحيل لإطفاء نور الله المبين، { ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون (32) } التوبة، من ينتسب منهم إلى الباطن، ويوهم أن وراء ما في أيدي المسلمين من حجج العقول والكتاب والسنة حقيقة عرفوها وحصلوها، وأنها ممنوعة أو مستورة إلا عمن بذل لهم العهود والمواثيق، فإذا كشفتها وجدت مخازي، تلوح عن صفحاتها أثر الاستهزاء بمن يأخذ عنهم ويلوذ بهم، يعدونهم حمرا مستنفرة. قد زينوا عندهم ارتكاب الفواحش، وأباحوا لهم قطوف المظالم، وأحلوا لهم شرب الخمور، وترك الصلوات، ومنع الزكوات، { قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (77) } المائدة.
ينفون الصانع، وينكرون النبوات أجمع، ويجحدون الشرائع. فيقولون: لايقال في الله تعالى: موجود، ولا لا موجود.
لايعلمون لجهلهم، وفرط غباوتهم، أن نفي النفي يقتضي الإثبات عند أهل اللسان.
ألا ترى أنهم إن أرادوا أن يحققوا الإثبات قالوا: (( لا غير))، فيقولون: (( هو الرأي لا غير، وهو زيد لاغير)). فيجمعون بين النفيين لتحقيق الإثبات.
فإذا قالوا: موجود. فقد حققوا أنه موجود.
وإذا قالوا: لا موجود. فقد نفوا ما أثبتوا، ونقضوا ما قالوا، وليس ذلك مما يخفى.
لكن غرضهم في ذلك: هو التوصل الى التعطيل، ونفي الصانع.
