Kaside ve sura: eş-şi'r ve't-tasvir abre'l-usur
تأليف
عبد الغفار مكاوي
تمهيدهل جربت أن تقف أمام رسم أو تمثال أو صورة فتحس كأنها تحدثك بلسان شاعر أو تسكب في أذنيك الأنغام والألحان؟ ربما قلت لنفسك متعجبا: حقا! إنها لفكرة غريبة، لكنها فكرة عابرة خطرت لعابر سبيل. وتواصل جولتك في المتحف أو المعرض أو المرسم الذي تزوره متأملا الرسوم والصور وأعمال النحت. قد تستغرق فيها وتتركها تؤثر على وجدانك وعقلك دون أن يتدخل بينك وبينها شيء، وقد تزاحمك في لحظة التأمل أفكار وآراء ونظريات حصلت عليها من هنا ومن هناك، لكنك في أغلب الظن ستمضي لحالك دون أن تعيد النظر في تلك التجربة، أو تطيل الوقوف عند تلك الفكرة، ولو تصادف وفعلت لتبين لك أن مئات من الشعراء والفنانين التشكيليين على مدى المئات من السنين قد تبادلوا التأثير والتأثر، فاستلهم الشاعر اللوحة والصورة والنقش والتمثال، والمعبد والمسلة والزهرية والأيقونة، وسجل إلهامه في قصيدة، كما استوحى الرسام والمصور والمثال والخطاط ومصمم البناء والمعمار ... إلخ، قصيدة شاعر من الشعراء، فرسم وصور وخطط وجسم ما كان الشاعر قد تخيله وصوره بالكلمة والوزن والإيقاع ...
وقصة هذا التأثير المتبادل بين الفنون - خصوصا فن الشعر وفن الرسم - قصة طويلة يقدر عمرها بثلاثة آلاف سنة في تاريخ الأدب والفن، لا الغرب والشرق. وهي قصة مثيرة ومحيرة تطرح أكثر من سؤال وجواب عن تلقي الشعراء لأعمال الفن، واستقبال الفنانين لفيض الشعراء، عن العلاقة بين الفنون الجميلة بوجه عام، وفني الشعر والتصوير بوجه خاص، عن البنية أو التكوين الأساسي الذي تشترك فيه كل الفنون بحيث يجعل منها إخوة وأخوات، أو الاختلافات الجوهرية التي تميز كلا منها عن الآخر تمييزا صارما لا يسمح بالمقارنة بينها حتى لا تشيع فيها الفوضى والاضطراب ... ومن هوميروس وفيرجيل إلى كيتس ورامبو ورلكه وجئورجه وأودين ... إلخ، في الأدب الغربي، ومن امرئ القيس وذي الرمة وشعراء «الديارات» وأبي نواس والبحتري والمتنبي وابن الرومي وابن المعتز وابن زيدون، إلى شوقي ومطران وأحمد زكي أبو شادي وبعض شعراء حركة «أبولو»، وصلاح عبد الصبور وحجازي والبياتي وحميد سعيد وسعدي يوسف في شعرنا العربي الجديد، ومن شعراء في الشرقين الأقصى والأدنى يصعب حصرهم من العصور الوسطى حتى يومنا الحاضر، سنجد من استلهم أعمال الفن التشكيلي في الرسم والتصوير والنحت والعمارة بل والموسيقى وسجلها في قصائد، كما سنجد - بدرجة أقل - رسوما ولوحات وآثارا فنية أخرى يمكن أن نصفها تجاوزا بأنها قصائد شعرية مصورة أو مجسمة أو منغمة.
