Kenzü'l-fevâid
الحمد لله رب العالمين، وصلواته وتحياته على أكرم رسله، سيدنا محمد وآله المصطفين الأبرار، وصحبه الأخيار.
وبعد فأنا أمام كتاب «كنز الفوائد» الذي يعتبر = بحق = من الآثار القيمة الحية، التي تركها لنا سلفنا العلماء الخالدون، قد ضم بين دفتيه مجموعة كبيرة من أبحاث علمية، متعددة الألوان، مختلفة المواضيع، قد تبوأ مكانة كريمة لدى العلماء والباحثين، وأولوه اهتمامهم وعنايتهم، فكان من المصادر التي اعتمدوها وأخذوا عنها.
وهذا الكتاب من آثار العلامة الفقيه المتكلم الشيخ أبي الفتح محمد بن علي الكراجكي الطرابلسي، من ألمع العلماء الإسلاميين في القرن الخامس الهجري، وأكثرهم إحاطة بمعارف عصره، وأوفرهم إنتاجا ونشاطا في سبيل العقيدة الإسلامية، ونعرف ذلك من ثبت مؤلفاته كما يأتي إن شاء الله.
وقد طبع هذا الكتاب في إيران منذ أكثر من ثمانين سنة على المطابع الحجرية ونفدت نسخه وأصبحت نادرة الوجود، رغم رداءة طباعته وكثرة أغلاطه. لذلك أصبح مجهولا لا يعرفه إلا قليل.
وقد عنيت منذ مدة طويلة بنسخه عن النسخة المطبوعة، وبترتيبه والتعليق عليه، رغبة في نشره بين القراء، وتعميما للفائدة، وإبرازا لآثار علمائنا الأبرار وجهودهم في مجالات العلم والثقافة الإسلامية.
وكان من حق هذا الكتاب أن يصدر بحلته الجديدة، منذ زمن، إلا أن الظروف القاسية التي مرت بها البلاد حالت دون ذلك.
وأخيرا قيض الله سبحانه الصديق البر الحاج جعفر الدجيلي صاحب دار الأضواء، فتولى طبعه وإخراجه، فله شكري ودعائي له بالتوفيق. والله سبحانه يتولى الصالحين العاملين.
* بسم الله الرحمن الرحيم* مقدمةعاش أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي مؤلف هذا الكتاب «كنز الفوائد» الشطر الكبير من حياته ما بين النصف الأخير من القرن الرابع والنصف الأول من القرن الخامس للهجرة.
وكانت هذه الفترة التي عاشها الكراجكي بالذات حافلة إلى حد كبير بضروب من الانقسامات السياسية الهائلة، وبقيام دول صغيرة، منيت بها المملكة الإسلامية (الأم)، وانفصلت عنها.
فقد استقل بنو بويه بفارس والري وأصبهان والجبل.
وأصبحت كرمان في يد محمد بن الياس، والموصل وديار بكر وربيعة ومضر في أيدي الحمدانيين، والمغرب وأفريقيا في أيدي الفاطميين، والأندلس في أيدي الأمويين، وخراسان في يد السامانيين، والأهواز وواسط والبصرة في أيدي البريديين، واليمامة والبحرين في يد أبي طاهر القرمطي، وجرجان وطبرستان في أيدي الديلم.
ولم يبق في يد العباسيين سوى بغداد وأعمالها، محتفظين بسيادة معنوية على هذه الدويلات المنفصلة عنها، التي كانت تقدم للخليفة العباسي في بغداد الدعاء والخطب في المساجد أيام الجمع والأعياد وفي المناسبات الدينية، وتشتري منه الألقاب (1).
