Kıssatü hayati
تأليف
أحمد لطفي السيد
الفصل الأول
نشأتي الأولى(1) في قرية مصرية
نشأت في أسرة مصرية صميمة لا تعرف لها إلا الوطن المصري، ولا تعتز إلا بالمصرية، ولا تنتمي إلا إلى مصر؛ ذلك البلد الطيب الذي نشأ التمدن فيه منذ أقدم العصور، وله من الثروة الطبيعية والشرف القديم ما يكفل له الرقي والمجد.
وقد ولدت في 15 يناير سنة 1872م بقرية «برقين» من أعمال مركز السنبلاوين بمديرية الدقهلية، وهي قرية صغيرة كان تعدادها في ذلك الحين يبلغ مائة نفس، ويشاع بين أهل الريف أن اسمها «النزلة» وربما سميت باسم «برقين» الفلسطينية، وقد تضاعف سكانها، فأصبح عددهم الآن نحو ألفي نفس، وهم زراع ماهرون مشهورون بالجد والنشاط والاستقامة، وقد اعتادوا أن ينطقوا القاف «جافا»، والجيم جيما معطشة كسائر أهالي مركز السنبلاوين، وما زالت هذه اللهجة تغلب علي في حديثي.
وكان والدي «السيد باشا أبو علي» عمدة هذه القرية كوالده «علي أبو سيد أحمد»، وقد كان يجيد حفظ القرآن الكريم كله، وعرف بشخصيته المهيبة، وقوة شكيمته، وعدالته في معاملته، وعطفه على أهل قريته وغيرهم، وأذكر أنه ما قسا يوما علي، ولا وجه إلي كلمة نابية أو عبارة تؤلم نفسي، بل كان - طيب الله ثراه - عطوفا حكيما في تربية أبنائه، يعتني بالقدوة الحسنة، وحسن التوجيه والإرشاد.
ولما بلغت الرابعة من عمري أدخلني كتاب القرية، وكانت صاحبته سيدة تدعى «الشيخة فاطمة»، فمكثت فيه ست سنوات تعلمت فيها القراءة والكتابة، وحفظت القرآن كله، وكنت أجلس مع زملائي على الحصير، ونصنع الحبر بأيدينا، وإلى هذه السيدة يرجع فضل تنشئتي الأولى في تلك السنين.
ضرب العمد والأعيان
وقد كنت في العاشرة حينما أتممت حفظ القرآن في هذا الكتاب، فاشترى لي والدي «مهرة» من بادية الشام لم تألف رؤية قطار السكة الحديدية، فكنت أركبها للنزهة ولقضاء بعض الأعمال، وقد نصحني والدي بالابتعاد عن السكة الحديدية حتى لا يمسسني مكروه، وذات يوم امتطيت المهرة وذهبت إلى عزبة لنا في «طرانيس العرب»، وفاتني أن أعمل بنصيحة والدي، فسرت بها على طريق السكة الحديدية، وبينما أنا سائر بها؛ إذ فاجأني القطار فوثبت من فوقها وتركتها وحدها فجرت مسرعة حتى عادت إلى برقين، فذعر أهلي، وهاجت القرية، وظن الجميع أني أصبت بمكروه، وكنت وقتئذ وحيد والدي، فزاد ذلك من اهتمامهم وقلقهم، وما كاد القطار يقترب منهم حتى رأوا السائق يشير إليهم بمنديل أبيض، فاطمأن بالهم، ثم أخبرهم السائق بما فعلت، فبعثوا إلي بحمار عدت عليه إلى بلدتي، غير أني خشيت أن يعاقبني والدي، فهربت خوفا من «علقة» تصيبني، وجاء رجل من أهل القرية يدعى «عوض بدران» يهنئه بسلامتي ويقول له: «بركة عيشك يا بو علي»، وهو يعني «الحمد لله على السلامة»!
