Kitâbü'l-büldân
قال ياقوت الحموي وهو يرد على من طلب إليه أن يختصر كتابه (معجم البلدان): «
** حكي عن الجاحظ أنه صنف كتابا وبوبه أبوابا. فأخذه بعض أهل عصره فحذف منه أشياء وجعله أشلاء. فأحضره وقال له: يا هذا إن المصنف كالمصور. وقد صورت في تصنيفي صورة كانت لها عينان فعورتهما** أعمى الله عينيك** وكان لها أذنان فصلمتهما** صلم الله أذنيك** وكان لها يدان فقطعتهما** قطع الله يديك**. حتى عد أعضاء الصورة. فاعتذر إليه الرجل بجهله هذا المقدار وتاب إليه عن المعاودة إلى مثلهوينطبق ما قاله الجاحظ على من اختصر الكتاب الذي نضعه بين أيدي القراء الكرام، حيث بلغ اختصاره أحيانا حدا أدى إلى غموض الجمل وضياع الأسانيد بما لها من خطورة وأهمية في تحديد أزمان الوقائع. فقد حذف مثلا اسم الرحالة تميم بن بحر المطوعي الذي قام برحلة إلى آسيا الوسطى وحدث بأخبارها ابن الفقيه، وحذف تبعا لذلك الرحلة بكاملها. وحذف المعلومات المهمة التي أوردها ابن الفقيه نقلا عن أبي العباس المروزي عن القبائل التركية والتي نقلها ياقوت فيما بعد عن النسخة الكاملة لكتاب ابن الفقيه. كما حذف أخطر فصول الكتاب على الإطلاق ونعني به الفصل المسمى ب (ذكر بعض مدن الأتراك وعجائبها) الذي نقله
ابن الفقيه عن سعيد بن الحسن السمرقندي الذي توغل في معلوماته إلى حدود القبائل الفينية حيث مدينة بسكوف. كما نرتأي أن تكون آخر المدن التي ذكرها السمرقندي. ففي هذا الفصل. من المعلومات عن الحياة الاجتماعية لتلك القبائل مما لا نجده في أي مصدر آخر.
نشير أولا إلى أن المخطوطة التي عثر عليها في المكتبة الرضوية بمدينة مشهد الإيرانية في ربيع 1923 تمثل نصف الكتاب الأصل بعد أن احتمل في بداية الأمر أنها كاملة. والدليل على ذلك ما ورد في الورقة الأولى منها بعد البسملة والصلاة على النبي وآله وهو: «هذا بقية القول في العراق والبصرة وأخبار دار فتحها...»
أما مختصر الكتاب فقد حققه العلامة الهولندي دي خويه وطبعه عام 1885 ضمن مسلسل المكتبة الجغرافية الذي اعتمد على نسخة قال إنه تم اختصارها على يد أبي الحسن علي بن جعفر الشزري (أو الشيزري) عام 413 ه (1)، فهو يضم النصف الأول من الكتاب الأصل ولكن بصورة مختصرة، ويمكن القول بصورة عامة إنه إذا كان المختصر يضم النصف الأول من الكتاب، فإن مخطوطة المكتبة الرضوية تضم النصف الثاني. وعليه فإن كلا من المختصر والأصل المخطوط يكمل بعضهما بعضا. وقد ارتأينا أن ننشرهما معا أي النصف الأول المختصر الذي نشره دي خويه ثم أتبعناه بالنصف الثاني الذي هو مخطوطة المكتبة الرضوية كما كتبها مؤلفها ابن الفقيه كاملة.
