Kitâbü'l-mekâsib
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه محمد وآله الطاهرين.
وأما بعد:
فمنذ أن التحق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالرفيق الأعلى بدأ الاختلاف في وجهات النظر الفقهية، انطلاقا من الاختلاف في الإمامة الكبرى وما استتبعه من الاختلاف في الأصول التي يبتني عليها الفقه، كالسنة والإجماع والاجتهاد والقياس ونحو ذلك، فإن الاتجاه المخالف للاتجاه الفقهي لأهل البيت عليهم السلام بدأ بطرح فكرة حجية الإجماع - بطريقته الخاصة - والاجتهاد بالرأي والقياس وما شابهها، بينما كان أهل البيت عليهم السلام يرفضون ذلك كله لأسباب يطول شرحها.
وأما السنة، فلما كانت السنة المنقولة عن الإمام عليه السلام - عندهم - كالسنة المنقولة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهي حجة لو ثبتت بطريق موثوق به.
وعلى هذا الأساس صار لأهل البيت عليهم السلام فقه مستقل مستلهم
من الكتاب الكريم والسنة النبوية المودعة عند أئمتهم عليهم السلام.
ولم تتسع هوة الخلاف بين الاتجاهين بصورة كاملة في الصدر الأول لعاملين، وهما: قرب العهد بعصر النصوص، وعدم اعتماد الاتجاه الآخر على الأصول المرفوضة لدى أئمة أهل البيت عليهم السلام كثيرا، بل كانت فتاوى الإمام علي عليه السلام هي المرجع الوحيد في ما يستجد من قضايا وأحداث كان يعجز الآخرون عن بيان حكمها الشرعي، فهذا عبد الرزاق يحدثنا في مصنفه عن نافع مولى ابن عمر، عن أسلم مولى عمر: أن رجلا سأل عمر عن بيض النعام يصيبه المحرم، فقال له عمر: أرأيت عليا؟ فاسأله، فإنا قد أمرنا أن نشاوره (1).
ومع ذلك كله نرى - ومع الأسف - أن الفقه المنقول عن غيره في كتب العامة أكثر مما هو منقول عنه، والأسباب غير خفية على المتأمل.
وعلى أي حال، فقد تجسد هذا الاستقلال بوضوح أيام الإمامين:
الباقر والصادق عليهما السلام حيث سمحت لهما الظروف بإظهار فقه أهل البيت عليهم السلام، لأنهما عاشا الفترة الانتقالية للحكم من الأمويين إلى العباسيين، فقد كثر تلامذتهما، واشتهر أن تلاميذ الإمام الصادق عليه السلام كانوا أكثر من أربعة آلاف، انتشروا في البلاد الإسلامية، وكان أكثر تمركزهم في مدرستي المدينة والكوفة، فقد روي عن الحسن بن علي الوشاء قوله: " لو علمت أن هذا الحديث يكون له هذا الطلب لاستكثرت منه، فإني أدركت في هذا المسجد - أي مسجد الكوفة -
تسعمائة شيخ، كل يقول: حدثني جعفر بن محمد... " (1).
وقد تمكن هذان الإمامان من وضع الأسس العامة للاجتهاد الصحيح، كالقواعد الأصولية، مثل: الاستصحاب، والبراءة، والاحتياط، وأحكام التعارض بين الأخبار، والتسامح، ونفي الضرر ونحو ذلك، وكالقواعد الفقهية، مثل: قاعدة اليد، وسوق المسلمين، والضمان، والإتلاف، وأصالة الصحة (حمل فعل المسلم على الصحيح) وعشرات بل مئات القواعد الأخرى.
