Ladyas
تأليف
أحمد شوقي
الباب الأول
حوادث الرواية في بلاد اليوناننزهة على شاطئ البحرفلك الممالك أنت فيه ذكاء
يا ملكة في ظلها الأمراء
خلع الجمال عليك حلة عزه
وكستك ثوب جلالها النعماء
يا زينة اليونان أنت لأفقها
نجم وأنت لنجمها أضواء
حواء أمك أم كل مليحة
لكن مثلك لم تلد حواء
كانت «لادياس» بنت الملك «بوليقراط» صاحب «ساموس» إحدى ممالك اليونان في غابر الزمان، تتمشى في طريق نزهتها على البحر تحت الأزين الأنضر، من ألفاف الشجر الأخضر، وعند رمل أزهر، كأنه دينار واحد أصفر، والبحر فيما يلي، ينجلي ما ينجلي، وللريح نقر في صفحات الماء، كنقر الغزال في الحصباء، وقد قابل الأصيل مرآتي البحر والفضاء، فسالتا بنضاره الموهوم وسالت العوالم والأشياء.
وكانت لادياس فتنة الناس، بالبدر الطالع في الغصن المياس، لا من طينة البشر، ولا من أديم الشمس والقمر، ولكن صورة آية في الصور، فوق مبلغ الخواطر ومنال الفكر، وكانت لابسة حلة بيضاء، هي فيها حرير تحت حرير وضياء في ضياء، وعليها من عاطر الورق وبديع الزهر، في الرأس وفوق النحر، ومكان المنطقة من الخصر، ما يتجمع منه باقة زاهرة، لادياس فيها الزهرة النادرة، وقد اتحدت بهذه الحلة الباهرة، حتى تشابه المجموع وتشاكل الأمر، فكأنما زهر ولا لادياس، وكأنما لادياس ولا زهر.
وكان يساير الأميرة في نزهتها القصيرة، أتراب لها كريمات عليها، وقرينات من أحب الناس إليها، ربين معها في الصغر، ودمن على لزامها في الكبر، فكانت تحادثهن لاهية ناعمة، وهي تقول: ماذا تقلن يا صاحبات لادياس في شروط القران؟
فسألتها إحداهن بسرعة: قران من يا مولاتي؟
فأجابت الأميرة مازحة: قراني لا قرانك يا فاجرة. - وأي شروط يا مولاتي إلا أن يخطبك حبيبك، ويحبك خطيبك. - صدقت، لكن هذا يجوز على بعض بنات الناس، ولا يجوز على بنت الملك، إني أراك تجهلين الأمر، ولا تدرين ما يجري من الأحوال في القصر، فاعلمي أنه لا يكون من زواجي إلا ما أرضى أنا ويأذن الملك وتصادق المملكة بعد ذلك عليه، فأنا أقترح أن يكون المتعرض لخطبتي، الراغب في صحبتي، فتى بين العشرين إلى الثلاثين، فائق النظراء والأمثال في الشجاعة والحكمة والجمال، والملك يشترط أن يكون صهره ملكا، سواء نال الملك بكده وجده، أو توارثه عن أبيه بعد جده، والمملكة تريد أن يرفع بعلي لآلهة اليونان أربعين هيكلا مشيدة البنيان، في البلاد التي له فيها الملك والسلطان.
