Lemehat min hayati: sire şibhu zatiyye
تأليف
ثروت أباظة
الفصل الأوللم يدر بذهني يوما أن أكتب هذه المذكرات، فأنا شخصيا لا أرى في حياتي ما يستحق الرواية، ولكن حدث في الأسبوع الماضي أن قصد إلي مذيع ليدير معي حديثا عن حياتي استغرق حوالي الساعة - وتركت نفسي على سجيتها - ورحت أروي للميكرفون بعض ذكريات من حياتي كان بعضها يمسك برقاب بعض وتستدعي الذكرى صاحبها، ولاحظت أن المذيع يضحك في سعادة غامرة مما أروي، فلما انتهى الحديث ساءلت نفسي: وما لي لا أروي هذه الذكريات لقارئي ربما وجد فيها من المتعة ما وجده هذا المذيع.
والذي بيني وبين القارئ أمر ميسور، فهو يستطيع أن يضم دفتي الكتاب الذي بيده ويقطع صلته به وأذكر له بيت الشعر القديم:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا
أنيس ولم يسمر بمكة سامر
وحسبه الله بعد ذلك فيما خسر من ثمن الكتاب، فإن وجد المتعة التي أتمناها له وأنشدها وأسعى إليها، فالحمد لله على الحالين وليمض في قراءة الكتاب.
وربما زاد من ترددي كتاب كتبته قبل هذا بعنوان «ذكريات لا مذكرات»، ولكني قضيت على هذا التردد بأن كتابي الأول كان يحمل صلاتي بمن عرفتهم من مشاهير وغير مشاهير.
ولكنني أعتقد أن هذا لن يكون المنحى الذي سأنحوه في كتابي هذا الذي بين يديك، أما كيف أنحو فعلم هذا عند علام الغيوب، فما خططت خطة بذاتها ولا انتهيت إلى رأي معين، وإنما سأسير وإياك عبر أيامي منذ وعيت الحياة حتى اليوم الذي بدأت فيه كتابة هذا الكتاب، وإني إن شاء الله واجد له عنوانا، ولكنك لا بد أن تعلم أن هذا العنوان قفز إلى ذهني وأنا أكتب هذا الكتاب ولم أضعه قبل بدء الكتاب كما كان ينبغي أن أفعل، فقد خشيت أن يحول العنوان بيني وبين الترسل الذي أحب أن أتركه يحدو قلمي، ويسير به سيرا متحررا من كل قيد بعيدا عن القيود جميعها.
من الطبيعي أن أبدأ بالسنوات الأولى من حياتي:
قيل لي إنني ولدت بمنزل بشارع جوهر القائد بحي المنيرة، ولكنني لم أر هذا البيت إلا مرورا به، وأشارت إليه والدتي وكنت أركب معها السيارة، وقالت إنني ها هنا ولدت فما وعيت منه إلا اللمحة العابرة التي تتيحها سيارة تمضي في طريقها ولا تتوقف، أما البيت الذي نشأت فيه وأقمت فبيت كان ملكا لأبي بشارع الملك الناصر رقم 24 بحي المنيرة أيضا، وكان البيت هو المبنى الثاني في الشارع من ناحية شارع الدواوين، وكان المبنى الأول مدرسة أهلية دخلتها وانتظمت فيها لبضعة أشهر، وقد كان المبنى المقابل لها مستشفى الملك، ولا بد أن اسمها قد تغير حين أرادت الثورة حذف الملكية من تاريخ مصر، وكان يلاصق المستشفى مدرسة الخديو إسماعيل التي لا أدري اسمها الآن هي أيضا، فإن الثورة قررت أنه لم يكن في مصر خديو اسمه الخديو إسماعيل إلا أن يذكر مشتوما ملعونا، أما أن يذكر بدون تعليق فأمر لا ترضاه الثورة الاشتراكية.
